فلم يكونوا يتخلفون عن الغزو حتى ماتوا؛ منهم أبو أيوب الأنصاري والمقداد بن الأسود وغيرهم) [1] . وقال ابن كثير عند تفسير قوله تعالى (انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا) . (وقال علي بن زيد عن أنس عن أبي طلحة: كهولًا وشبابًا ما سمع الله عذر أحد ثم خرج إلى الشام حتى قتل وفي رواية قرأ أبو طلحة [2] سورة براءة فأتى على هذه الآية(انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ) فقال أرى ربنا يستنفرنا شيوخًا وشبابا جهزوني يا بني فقال بنوه يرحمك الله قد غزوت مع رسول الله حتى مات ومع أبي بكر حتى مات ومع عمر حتى مات فنحن نغزو عنك فأبى فركب البحر فمات فلم يجدوا له جزيرة يدفنونه فيها إلا تسعة أيام فلم يتغير فدفنوه بها) [3] ويؤيد صحة هذه الرواية عن أبي طلحة رضي الله عنه ما ذكره ابن حجر في الإصابة حيث قال (وقال ثابت عن أنس مات أبو طلحة غازيًا في البحر فما وجدوا جزيرة يدفنونه فيها إلا بعد سبعة أيام ولم يتغير. أخرجه الفسوي في تاريخه وأبو يعلى وإسناده صحيح) [4] .
ويقول ابن حجر (إن جنس جهاد الكفار متعين على كل مسلم إما بيده وإما بلسانه وإما بماله وإما بقلبه) [5] . ويقول ابن القيم ( ... ثم فرض عليهم قتال المشركين كافة وكان محرمًا ثم مأذونًا به ثم مأمورًا به لمن بدأهم بالقتال ثم مأمورًا به لجميع المشركين إما فرض عين على أحد القولين أو فرض كفاية على المشهور. والتحقيق أن جنس الجهاد فرض عين إما بالقلب وإما باللسان وإما بالمال وإما باليد فعلى كل مسلم أن يجاهد بنوع من هذه الأنواع، أما الجهاد بالنفس ففرض كفاية وأما الجهاد بالمال ففي وجوبه قولان والصحيح وجوبه لأن الأمر بالجهاد به وبالنفس في القرآن سواء كما قال تعالى(انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) . وعلق النجاة من النار به ومغفرة الذنب ودخول الجنة فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ، يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [6] . وذكر القرطبي عدة روايات عن بعض الصحابة والتابعين تدل على أنهم لا يرون للمسلم رخصة في ترك الغزو إذا أمكنه ذلك فقد رحمه الله (وأسند الطبري عمن رأى المقداد بن الأسود بحمص على تابوت صراف وقد فضل على التابوت من سمنه وهو يتجهز للغزو فقيل له لقد عذرك لله فقال أتت علينا سورة البعوث"انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا"وقال الزهري خرج سعيد بن المسيب إلى الغزو وقد ذهبت إحدى عينيه فقيل له إنك عليل فقال استنفر الله الخفيف والثقيل فإن لم يمكني الحرب كثرت السواد وحفظت المتاع) [7] .
(1) فتح الباري (6: 28) .
(2) هو زيد بن سهل بن الأسود بن حرام الأنصاري الخزرجي مشهور بكنيته وهو الذي قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم لصوت أبي طلحة في الجيش خير من فئة. انظر ترجمته في الإصابة (1: 567) .
(3) تفسير ابن كثير (4: 97) .
(4) الإصابة لابن حجر (1: 567) .
(5) فتح الباري (6: 28) .
(6) زاد المعاد لابن القيم (3: 72) .
(7) تفسير القرطبي (8: 151) .