الصفحة 44 من 317

كان صلى الله عليه وسلم بالإضافة إلى إعداد الصحابة خلقيًا وسلوكيًا يرعى شؤونهم تنظيميًا وقياديًا فمهمته صلى الله عليه وسلم شاملة لهذا وذاك. قال الله تعالى: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَامُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) [1] .

فممارسة الرسول صلى الله عليه وسلم للمرحلة السرية في بداية الدعوة -كما مر في أول هذا البحث- عمل تنظيمي يهدف منه صلى الله عليه وسلم إلى حماية الدعوة في بدايتها حتى لا تجتث من العروق وهي لم تنبت بعد وهو صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى بل بوحي من الله وإذا اجتهد في أمر وأقره الله عليه فهو موافق للحق والصواب. وإن المتتبع لسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم في المرحلة المكية يجده عليه السلام قد قام برعاية شؤون أصحابه خير قيام يتجلى ذلك فيما يلي:

1 -لما اكتشف بعض كفار قريش بعض الصحابة رضوان الله عليهم وهم يصلون في شعاب مكة مستخفين بصلاتهم وحصل بينهم سباب وتضارب أمر عليه السلام أصحابه بالاجتماع في دار الأرقم لكي يعبدوا الله بعيدًا عن أنظار قريش ويتعلموا ما ينزل الله من القرآن [2] .

2 -لما أسلم بعض الصحابة الغرباء كضماد بن ثعلبة الأزدي وعمرو بن عبسة وأبو ذر الغفاري أمرهم صلى الله عليه وسلم بالرجوع إلى قومهم [3] وذلك فيما يظهر لي لأمرين:

أ- لكي ينشروا الإسلام في قومهم وقد فعلوا رضوان الله عليهم.

ب- محافظة على أرواحهم فإن كفار قريش يضطهدون الغريب والضعيف الذي لا ناصر له كما فعلوا بأبي ذر رضي الله عنه عندما أعلن إسلامه.

3 -لما اشند الأذى على أصحابه بمكة أمرهم بالهجرة إلى الحبشة حفاظًا على عقيدتهم وعلى أرواحهم.

4 -من مظاهر حرصه صلى الله عليه وسلم على صحابته وتربيتهم على الثبات عند حلول الشدائد زيارته للذين يعذبون منهم في أماكن تعذيبهم وتثبيته لهم وتبشيره لبعضهم بالجنة كما كان يمر على آل ياسر وهم يعذبون فيقول صلى الله عليه وسلم صبرًا آل ياسر فإن موعدكم الجنة [4] .

(1) الأعراف: 157 - 158.

(2) انظر المستدرك للحاكم 3/ 502 والإصابة 1/ 44.

(3) انظر إلى قصص إسلام هؤلاء الصحابة في تراجمهم في الإصابة لابن حجر (2: 210) ، (3: 5) ، (4: 63) .

(4) الإصابة لابن حجر (2: 512) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت