الجبرية الجهمية هي التي تجعل العبد مجبورًا على أفعاله فهو عندهم كالريشة في الهواء، وهم أتباع جهم بن صفوان؛ يقول البغدادي عن هذه الفرقة: (الجهمية أتباع جهم بن صفوان الذي قال بالإجبار والاضطرار إلى الأعمال، وأنكر الاستطاعات كلها، وزعم أن الجنة والنار تبيدان وتفنيان، وزعم أيضًا أن الإيمان هو المعرفة بالله تعالى فقط، وأن الكفر هو الجهل به فقط، وقال: لا فعل ولا عمل لأحد غير الله وإنما تنسب الأعمال إلى المخلوقين على المجاز؛ كما يقال زالت الشمس ودارت الرحى من غير أن تكونا فاعلتين أو مستطيعتين لما وصفتا به) [1] ، ويقول عن هذه الفرقة أيضًا الشيخ حافظ الحكمي: (وإضافة الفعل والانفعال كلاهما إلى الله عز وجل هو قول الجبرية الغلاة الجفاة الذين يقولون: إن العبد مجبور على أفعاله مقسور عليها كالسعفة يحركها الريح العاصف، وكالهاوي من أعلى إلى أسفل، وأن تكليف الله سبحانه وتعالى عباده من أمرهم بالطاعات ونهيهم عن المعاصي كتكليف الحيوان البهيم بالطيران، وتكليف المقعد بالمشي وتكليف الأعمى بنقط الكتاب، وأن تعذيبه إياهم على معصيتهم إياه هو تعذيب لهم على فعله لا على أفعالهم، وأن ذلك كتعذيب الطويل لِم لم يكن قصيرًا، والقصير لِمَ لم يكن طويلًا، والأسود لِمَ لم يكن أبيض، والأبيض لِمَ لم يكن أسود؛ فسلبوا العبد قدرته واختياره وأخرجوا عن أفعال الله تعالى وأحكامه حكمها ومصالحها، ونفوا عن الله تعالى حكمته البالغة، وجحدوا حجته الدامغة، وأثبتوا عليه تعالى الحجة لعباده، ونسبوا تعالى إلى الظلم، وطعنوا في عدله وشرعه؛ فلا قيام عندهم لسوق الجهاد ولا معنى لإقامة الحدود ولا للثواب والعقاب، بل ولا لإرسال الرسل والكتب إلا التكليف في غير وسع وتحميل ما لا يطاق، والظلم الذي حرمه الله تعالى على نفسه وجعله بين عباده محرمًا، فأقاموا عذر إبليس اللعين وعذر فرعون وهامان وقارون وسائر الأمم العصاة الممقوتين المقبوحين المغضوب عليهم المخسوف بهم المعدة لهم جهنم وساءت مصيرًا. وإن غضب الله عليهم ولعنه وعقابه إياهم على فعله لا على أفعالهم، بل قالوا: إنه عاقبهم ومقتهم على طاعتهم إياه لأنهم إن كانوا خالفوا شرعه فقد أطاعوا إرادته ومشيئته. هذا معنى إثبات القدر عند هذه الفرقة الإبليسية، وقد ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى كثيرًا من عباراتهم التي لا يستطيع المؤمن حكايتها لولا أن الله تعالى حكى في كتابه أقوال الكفار قبحهم الله فمن ذلك قول بعضهم:
ألقاه في اليم مكتوفًا وقال له ... إياك إياك أن تبتل بالماء
وقول آخر قبحه الله:
دعاني وسد الباب عني فهل إلى ... دخولي سبيل بينوا لي قضيتي
وقول كافر آخر فض الله فاه:
وضعوا اللحم للبزا ... ة على ذروتي عدن
(1) الفرق بين الفرق للبغدادي ص 211.