ثم لاموا البزاة إذ ... خلعوا عنهم الرسن ...
لو أرادوا صيانتي ... ستروا وجهك الحسن
وقال بعضهم وقد ذكر له من يخاف إفساده فقال: لي خمس بنات لا أخاف على إفسادهن غيره. وصعد رجل يومًا على سطح دار له فأشرف على غلام له يفجر بجاريته فنزل وأخذهما ليعاقبهما فقال الغلام: إن القضاء والقدر لم يدعانا حتى فعلنا ذلك، فقال لَعِلمُك بالقضاء والقدر أحب إلي من كل شي؛ أنت حر لوجه الله. ورأى آخر يفجر بامرأته فبادر ليأخذه فهرب، فأقبل يضرب المرأة وهي تقول القضاء والقدر فقال: يا عدوة الله أتزنين وتعتذرين بمثل هذا. فقالت: أوه تركت السنة وأخذت بمذهب ابن عباس، فتنبه ورمى بالسوط من يده واعتذر إليها وقال لولاك لضللت. ورأى آخر رجلًا يفجر بامرأته فقال: ما هذا؟ فقالت هذا قضاء الله وقدره. فقال الخيرة فيما قضى الله. فلقب بالخيرة فيما قضى الله، وكان إذا دعى به غضب. وقيل لبعض هؤلاء أليس هو يقول ولا يرضى لعباده الكفر؟ فقال دعنا من هذا رضيه وأحبه وأراده وما أفسدنا غيره) [1] . ويلزم من هذا الاعتقاد الخبيث لهذه الفرقة الخبيثة أن مجاهدة الكفار لا معنى لها بل هي ظلم وعدوان فكيف يجاهدون على عمل أحبه الله وأراده منهم ولم يمكنهم من غيره؟ وهذه عقيدة خبيثة تسعى إلى اقتلاع عقيدة الجهاد من قلوب المؤمنين. بل إلى اقتلاع الإيمان كله. وقد كان لهذه العقيدة الخبيثة غاية التأثير في أكثر الصوفية لأن أكثر المتصوفة جبرية! ووضوح بطلان قول هذه الفرقة أظهر من الشمس في رابعة النهار؛ فإن الإنسان يحس من نفسه الاختيار على العمل ولو لم يكن للإنسان اختيار في انتهاج العمل الذي يريد لكان بعثة الرسل عمومًا وإنزال الشرائع من العبث تعالى الله عز وجل عن العبث، ولو ضرب صاحب هذه العقيدة ضربًا مبرحًا لغضب ودافع عن نفسه ولم يرض بالقدر على حد زعمه!!
(1) معارج القبول للحكمي 2/ 289 - 291.