تزكية الروح بالصلاة وتلاوة القرآن وذكر الله تعالى والتسبيح له سبحانه أمر مهم في الإسلام فإن النفس البشرية إذا لم تتطهر من أدرانها وتتصل بخالقها لا تقوم بالتكاليف الشرعية الملقاة عليها. والعبادة والمداومة عليها تعطي الروح وقودًا وزادًا ودفعًا قويًا إلى القيام بما تؤمر به يدل على هذا أمر الله لرسوله صلى الله عليه وسلم في ثاني سورة نزلت عليه بالصلاة والذكر وترتيل القرآن. قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ، قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا، نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا، أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا، إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا، إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْءًا وَأَقْوَمُ قِيلًا، إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا، وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا) [1] .
فالاستعداد للأمر الثقيل والتكاليف الشاقة هو بقيام الليل والمداومة على الذكر والتلاوة وقد حرص رسول الله صلى الله عليه وسلم بتوجيه من ربه عز وجل على تربية الصحابة من أول إسلامهم على تطهير أرواحهم وتزكيتها بالعبادة فقد روى الإمام أحمد والبيهقي وابن عبد البر عن إسماعيل بن إياس بن عفيف الكندي عن أبيه عن جده قال: كنت امرأ تاجرًا فقدمت الحج في الجاهلية فأتيت العباس بن عبد المطلب لأبتاع منه بعض التجارة فوالله إني لعنده بمنى إذ خرج رجل مجتمع من خباء قريب فنظر إلى الشمس فلما رآلها مالت توضأ فأسبغ الوضوء ثم قام يصلي ثم خرج غلام قد راهق الحلم من ذلك الخباء فقام يصلي معه ثم لم ألبث إلا يسيرًا حتى جاءت امرأة من ذلك الخباء فقامت خلفهما ثم ركع الشاب وركع الغلام وركعت المرأة ثم رفع الشاب ورفع الغلام ورفعت المرأة ثم خر الشاب ساجدًا وخر الغلام وخرت المرأة فقلت للعباس يا عباس ما هذا قال هذا محمد بن عبد المطلب ابن أخي قلت من هذه المرأة قال هذه امرأته خديجة بنت خويلد فقلت من هذا الفتى قال: هذا علي بن أبي طالب ابن عمه قلت فما هذا الذي يصنع قال: يصلي يزعم أنه نبي ولم يتبعه على أمره إلا امرأته وابن عمه هذا الفتى وهو يزعم أنه ستفتح عليه كنوز كسرى وقيصر قال عفيف فليتني كنت آمنت به يومئذ فكنت أكون ثانيًا مع علي بن أبي طالب) [2] .
وذكر ابن إسحاق أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلوا ذهبوا في الشعاب واستخفوا بصلاتهم [3] ولما خاف صلى الله عليه وسلم على أصحابه في بداية الإسلام وعرف أن الكفار لا يقرونهم يمارسون الصلاة وقراءة القرآن علنًا دخل بهم دار الأرقم وصار يصلي بهم ويعلمهم كتاب الله عز وجل ولولا أهمية تزكية الروح بالعبادة والصلاة والتلاوة لأمرهم بتركها عند الخوف وحتى بعد أن اكتشفت قريش المكان الذي يصلي فيه الرسول صلى الله عليه وسلم بأصحابه لم يترك الرسول صلى الله عليه وسلم الصلاة والتلاوة لأجل الخوف. يقول الصالحي في سبب نزول قوله تعالى: (وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا) [4] (روى سعيد بن منصور والإمام أحمد والشيخان عن ابن عباس وابن إسحاق وابن جرير عنه من طريق آخر في الآية قال: نزلت ورسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة متوار فكان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن فإذا سمع ذلك المشركون سبوا القرآن ومن
(1) المزمل: 1 - 8.
(2) سبل الهدى والرشاد للصالحي (2: 399) .
(3) المرجع السابق (2: 404) .
(4) الإسراء: 110.