أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ، وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ، وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ) [1] .
ولقد بين أحد السابقين إلى الإسلام -وهو جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه- مكارم الأخلاق التي جاءهم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمرهم بالتزامها ورباهم عليها حتى أصبحت جزءًا من حياتهم يتلقون التعذيب والتشريد من بلادهم ولا يتنازلون عن شيء منها فقال رضي الله عنه لملك الحبشة (أيها الملك كنا قومًا أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام ونسيء الجوار ويأكل القوي الضعيف فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولًا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئًا وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام -فعدد عليه أمور الإسلام- ثم قال وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنات فصدقناه وآمنا به واتبعناه على ما جاء به من الله تعالى فعبدنا الله تعالى وحده ولم نشرك به شيئًا وحرمنا ما حرم الله علينا وأحللنا ما أحل لنا فعدا علينا قومنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلادك واخترناك على من سواك ورغبنا في جوارك ورجونا ألا نظلم عندك أيها الملك. فقال له النجاشي هل معك مما جاء به من شيء فقال له جعفر نعم قال فاقرأه علي فقرأ عليه صدرًا من"كهيعص"، فبكى والله النجاشي حتى أخضل لحيته وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما يتلى عليهم ثم قال له النجاشي إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج عن مشكاة واحدة ... الحديث) [2] .
(1) لقمان: 12 - 19.
(2) سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد للصالحي (2: 519) والفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد (20: 229) وقال البنا الحديث صحيح.