الصفحة 74 من 317

فهذه النصوص عن بعض الصحابة والتابعين تدل على مذهبهم في الجهاد وأنهم يرون جهاد الابتداء والطلب فرضًا على القادر ولكن الذي يترجح لدي والله أعلم بالصواب هو مذهب الجمهور القائلين بأن جهاد الابتداء والطلب فرض كفاية إذا قام به جماعة من المؤمنين فيهم غناء لنشر الإسلام والدعوة إليه فليس على كل مسلم أن يخرج معهم. وذلك للأدلة التالية:

1 -قوله تعالى: (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) [1] قال القرطبي عند تفسير هذه الآية: فيها أن الجهاد ليس على الأعيان وأنه فرض كفاية كما تقدم إذ لو نفر الكل لضاع من وراءهم من العيال فليخرج فريق منهم للجهاد وليقم فريق يتفقهون في الدين ويحفظون الحريم حتى إذا عاد النافرون أعلمهم المقيمون ما تعلموه من أحكام الشرع وما تجدد نزوله على النبي) [2] .

2 -قوله تعالى: (لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا) [3] .

يقول ابن قدامة -محتجًا لمذهب الجمهور- (ولنا قول الله تعالى(لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ) وهذا يدل على أن القاعدين غير آثمين مع جهاد غيرهم وقال الله تعالى: (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا) ولأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبعث السرايا ويقيم هو وسائر أصحابه [4] . وقال الكاساني (وعد الله عز وجل المجاهدين والقاعدين الحسنى ولو كان الجهاد فرض عين في الأحوال كلها لما وعد القاعدين الحسنى لأن القعود يكون حرامًا) [5] .

3 -عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى بني لحيان ليرج من كل رجلين رجل ثم قال للقاعد أيكم خلف الخارج في أهله وماله بخير كان له مثل نصف أجر الخارج [6] .

وقال صلى الله عليه وسلم فمن جهز غازيًا في سبيل الله فقد غزا ومن خلفه في أهله بخير فقد غزا [7] .

4 -فعله صلى الله عليه وسلم وسيرته فقد كان يخرج في الغزوة تارة ويبقى تارة ويؤمر غيره على الغزوة أو السرية ولم يكن يخرج جميع أصحابه بل بعضهم وهذا أمر واضح مستفيض كما في غزوة مؤتة وغيرها. يقول السرخسي ( ... ونوع هو فرض على الكفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين لحصول المقصود وهو

(1) التوبة: 122.

(2) تفسير القرطبي (8: 293) .

(3) النساء: 95.

(4) المغنى لابن قدامة (8: 346) .

(5) بدائع الصنائع (7: 98) .

(6) صحيح مسلم مع النووي (13: 41) .

(7) صحيح مسلم مع النووي (13: 40) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت