ولا يمكنه أن يجاهد دينك العدوين إلا بجهاده فكان جهاده هو الأصل لجهادهما وهو الشيطان قال تعالى: (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا) والأمر باتخاذه عدوًا تنبيه على استفراغ الوسع في محاربته ومجاهدته كأنه عدو لا يفتر ولا يقصر عن محاربة العبد على عدد الأنفاس فهذه ثلاثة أعداء أمر العبد بمحاربتها وجهادها) [1] .
فليس مقصود ابن القيم بجهاد النفس ما يفهمه بعض المتصوفة ومن قلدهم قديمًا وحديثًا من أن جهادها هو تزكيتها بالذكر وسائر النوافل فقط وأن هذا الجهاد هو الغاية فهو الأكبر الذي لا يلتفت من حققه إلى ما هو دونه وبالتالي يكون من صفى باطنه بالأذكار والعبادات أفضل من المجاهد الذي يقاتل الكفار لأن الأول يجاهد الجهاد الأكبر والثاني يجاهد الجهاد الأصغر والمشتغل بالأكبر أفضل من المشتغل بالأصغر عند جميع العقلاء.
إن ابن القيم أراد بجهاد النفس التزام شرع الله بكامله والدعوة إليه بما في ذلك تحقيق التوحيد والكفر بالطاغوت ولا شك أن جهاد الكفار بالسيف هو ثمرة تحقيق التوحيد فالكفر بالطاغوت هو اجتنابه وبغضه ونهاية البغض المقاتلة والمحاربة يقول ابن القيم(فجهاد النفس أربع مراتب:
إحداها: أن يجاهدها على تعلم الهدى ودين الحق الذي لا فلاح لها ولا سعادة في معاشها ومعادها إلا به ومتى فاتها علمه شقيت في الدارين.
الثانية: أن يجاهدها على العمل به بعد علمه وإلا فمجرد العلم بلا عمل إن لم يضرها لم ينفعها.
الثالثة: أن يجاهدها على الدعوة إليه وتعليمه من لا يعلمه وإلا كان من الذين يكتمون ما أنزل الله من الهدى والبينات ولا ينفعه علمه ولا ينجيه من عذاب الله.
الرابعة: أن يجاهدها على الصبر على مشاق الدعوة إلى الله وأذى الخلق ويتحمل ذلك كله لله) [2] .
فتعلم دين الحق والعمل به والدعوة إليه والصبر على ما يعترض الطريق ليس هو جهاد المتصوفة المراد لأن قتال الكفار هو من دين الحق فكيف يكون مجاهدًا لنفسه من يرى تصفية الباطن أكبر من تصفية الأرض من درن الشرك؟ أما أن يكون تصفية الباطن وسيلة لتصفية الأرض من الشرك وأهله فنعم ولكن لا يحل الوقوف عند الوسيلة دائمًا وأبدًا فلو اشتغل رجل بالوضوء وكلما فرغ من وضوء بدأه من أوله حتى ذهب وقت الفريضة كان عاصيًا لله لا طائعًا وبهذا يتضج أن إطلاق الجهاد الأكبر على جهاد النفس فيه إيهام وربما يكون فيه تثبيط وتنويم لمشاعر المسلمين فقد يقول قائل ما دمت مشتغلًا بالجهاد الأكبر فما الداعي إلى التشوق إلى الجهاد الأصغر ويرضى بواقعه الذي هو فيه ويصدق عليه حديث الرسول صلى الله عليه وسلم من مات ولم يغز ولم يحدث به نفسه مات على شعبىة من نفاق [3] نسأل الله العافية.
(1) زاد المعاد (3: 6) .
(2) زاد المعاد (3: 10) .
(3) صحيح مسلم بشرح النووي (13: 56) .