الصفحة 69 من 317

وقال الألباني عن حديث رجعنا من الجهاد الأصغر ... ضعيف [1] وقال حسن البنا رحمه الله (شاع بين كثير من المسلمين أن قتال العدو هو الجهاد الأصغر وأن هناك جهادًا أكبر هو جهاد النفس وكثير منهم يستدل لذلك يما يروى رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر قالوا وما الجهاد الأكبر قال جهاد القلب أو جهاد النفس وبعضهم يحاول بهذا أن يصرف الناس عن أهمية القتال والاستعداد له ونية الجهاد والأخذ في سبيله. فأما هذا الأثر فليس بحديث على الصحيح قال أمير المؤمنين في الحديث الحافظ ابن حجر في تسديد القوس هو مشهور على الألسنة وهو من كلام إبراهيم بن عبلة وقال العراقي في تخريج أحاديث الإحياء رواه البيهقي بسند ضعيف عن جابر ورواه الخطيب في تاريخه عن جابر على أنه لو صح فليس يعطي أبدًا الانصراف عن الجهاد والاستعداد لانقاذ بلاد المسلمين ورد عادية أهل الكفر عنها وإنما يكون معناه وجوب مجاهدة النفس حتى تخلص لله في كل عملها فليعلم) [2] .

والذي أراه والله أعلم بالصواب أن وصف قتال الكفار بالجهاد الأصغر وجهاد النفس بالجهاد الأكبر مغالطة لم يدل عليها دليل من كتاب ولا سنة ثم إن من جاهد نفسه حقيقة حتى تغلب عليها فإنه يسرع إلى امتثال أمر الله عز وجل بقتال الكفار ومن تأخر عن قتال الكفار فليس بمجاهد لنفسه على امتثال أمر الله فالتذرع بجهاد النفس قد يكون من الحيل الشيطانية الصارفة للمسلمين عن جهاد أعدائهم. وجهاد النفس يندرج تحته أنواع كثيرة من أهمها جهاد العبد نفسه على إخلاص العبودية لله سبحانه والبراءة من الشرك وأهله. ولا شك أن المجاهد في ميدان القتال إذا لم يحقق إخلاص العبودية لله والبراءة من الشرك وأهله ورفض جميع أنواع الشرك الأكبر لا يستفيد من جهاده فعلى هذا لا يقال جهاد النفس أكبر ولا جهاد الكفر أكبر بإطلاق .. بل يسأل القائل ما مرادك بجهاد النفس هل تريد جهادها على تحقيق التوحيد والكفر بالطاغوت أم تريد تهذيبها وتزكيتها بالأذكار المستحبة وصيام التطوع وقيام الليل ونحو ذلك فإن أردت الأول فلا شك أن التوحيد هو رأس الأمر ولكن ينبغي لك أن تأتي بالاسم الشرعي لكيلا تلبس على الناس فتقول مثلًا جهاد النفس على تحقيق التوحيد أكبر من غيره من الأعمال لا سيما والحديث المروي بتقسيم الجهاد إلى أكبر وأصغر غير صحيح كما تقدم.

وإن أردت الثاني فلا شك أن قتال الكفار لإعلاء كلمة الله لمن قدر عليه أفضل من سائر التطوعات للأحاديث المتقدمة. وابن القيم رحمه الله أراد النوع الأول وهو تحقيق التوحيد عندما جعل جهاد النفس أصلًا لجهاد الكفار يتضح ذلك من كلامه إذ قال: (ولما كان جهاد أعداء الله في الخارج فرعًا على جهاد العبد نفسه في ذات الله كما قال النبي صلى الله عليه وسلم المجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه كان جهاد النفس مقدمًا على جهاد العدو في الخارج وأصلًا له فإنه ما لم يجاهد نفسه أولًا لتفعل ما أمرت به وتترك ما نهيت عنه ويحاربها في الله لم يمكنه جهاد عدوه في الخارج فكيف يمكنه جهاد عدوه والانتصاف منه وعدوه الذي بين جنبيه قاهر له متسلط عليه لم يجاهده ولم يحاربه في الله بل لا يمكنه الخروج إلى عدوه حتى يجاهد نفسه على الخروج فهذان عدوان قد امتحن العبد بجهادهما وبينهما عدو ثالث لا يمكنه جهادهما إلا بجهاده وهو واقف بينهما يثبط العبد عن جهادهما ويخذله ويرجف به ولا يزال يخيل له ما في جهادهما من المشاق وترك الحظوظ وفوت اللذات والمشتهيات

(1) ضعيف الجامع الصغير (4: 118) .

(2) الجهاد في سبيل الله للبنا (ص80) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت