بين السماء والأرض .. الحديث) [1] . فقد سمى الرسول صلى الله عليه وسلم من جلس في أرضه غير مجاهد مع أنه يجاهد نفسه على الصلاة والصيام ونحو ذلك من الجهاد النفسي على التكاليف الشرعية.
وكل الأحاديث التي تدل على فضائل الجهاد فالمراد بها الجهاد الحقيقي وهو قتال الكفار لإعلاء كلمة الله تعالى ولا تحمل على جهاد النفس وكذلك علماء الإسلام من محدثين وفقهاء إذا بوبوا في كتبهم للجهاد فالمراد به جهاد الكفار القتالي لا مجاهدة النفس.
وليس جهاد النفس هو الجهاد الأكبر على الإطلاق كما يزعمه المتصوفة ومن قلدهم لما سيأتي.
والعجب كل العجب أن بعض الباحثين المعاصرين زعم اتفاق العلماء على أن جهاد النفس هو الجهاد الأكبر إذ قال: (وقد اتفقت كلمة علماء المسلمين وفقهائهم على تسمية جهاد النفس والشيطان بالجهاد الأكبر وجهاد الأعداء بالجهاد الأصغر قال الباجوري الجهاد أي القتال في سبيل الله مأخوذ من المجاهدة وهي المقاتلة لإقامة الدين وهذا هو الجهاد الأصغر أما الجهاد الأكبر فهو مجاهدة النفس فلذلك كان صلى الله عليه وسلم يقول إذا رجع من الجهاد رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر) [2] . فأين مستند الباحث على اتفاق العلماء والفقهاء!! هل الباجوري هو كل العلماء والفقهاء مع أن الباجوري الذي استدل الباحث بقوله لم يذكر اتفاق أحد وإنما احتج لما ذهب إليه بحديث مروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وما ذهب إليه الباجوري غير صحيح ودليله الذي اعتمد عليه غير صحيح أيضًا. يقول الدكتور محمد أمين المصري رحمه الله (ولو أردنا تقصي آيات القتال في سبيل الله وأحاديث القتال لما وسعنا الزمن ... وبعد هذا كله يسمى قتال العدو جهادًا أصغر ويروون في ذلك حديثًا يذكره الخطيب في تاريخه من طريق يحيى بن العلاء قال حدثنا ليث عن عطاء ابن أبي رباح عن جابر قال قدم النبي صلى الله عليه وسلم من غزاة له فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قدمتم خير مقدم وقدمتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر مجاهد العبد هواه. وقال البيهقي بشأنه إسناده ضعيف وتبعه العراقي في تخريجه الإحياء وحكم السيوطي أيضًا بضعفه في جامعه الصغير ولكننا حين نرجع إلى كتب التراجم لنعرف من هو يحيى بن العلاء راوي الحديث نجد في ترجمته ما يزهدنا في حديثه وما يحملنا على هجر ما يرويه. يقول ابن حجر في شأنه في التقريب رمي بالوضع أي إنه اتهم بوضع الحديث. أما الذهبي فيقول في ميزانه قال أبو حاتم ليس بالقوي وضعفه ابن معين وقال الدارقطني متروك وقال أحمد بن حنبل كذاب يضع الحديث. وبعد هذه الشهادات التي نتلوها بشأن هذا الرجل يجب أن نلفت الأنظار إلى أن هذا الحديث برواية هذا الرجل لا تجوز روايته ولا ذكره إلا على سبيل التنبيه إلى أنها رواية متروكة ساقطة. والرواية التي ذكرنا تعارض الآية الكريمة معارضة صريحة. قال تعالى:(لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا، دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا) [3] .
(1) صحيح البخاري (4: 202) .
(2) آيات الجهاد في القرآن لكامل سلامة الدقس (ص19) .
(3) سبيل الدعوة الإسلامية لمحمد أمين المصري (ص71 - 72) .