الصفحة 61 من 317

وشدة حذره من الآفات العائقة عن الصبر كالاستعجال والغضب غير المحمود والحزن والضيق واليأس [1] .

وبإلقاء نظرة على سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم والذين آمنوا معه تجد أنهم قد صبروا وثبتوا في العهد المكي لصنوف العذاب والابتلاء حتى صلب عودهم واستطاعوا أن ينشروا الإسلام في مدة وجيزة في بقاع كثيرة والأمثلة على ثباتهم لا تحصى. فمن الأمثلة على ثبات الرسول صلى الله عليه وسلم ورباطة جأشه وأنه لا تزلزله الخطوب والمحن ما رواه البخاري في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد قال لقد لقيت من قومك ما لقيت وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني فقال إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم فناداني ملك الجبال فسلم علي ثم قال يا محمد فقال ذلك فيما شئت إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين فقال النبي صلى الله عليه وسلم بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا [2] . فهل بعد هذا الثبات والصبر من المصطفى صلى الله عليه وسلم من ثبات!! رجل مهيض الجناح قد عذب وشرد وحوصر وفعل بأصحابه كذلك بل قتل بعضهم في التعذيب ثم يمكنه الله من الانتقام بدون مشقة عليه أو كلفة ولكنه لا ينتقم ويكظم غيظه ويصبر على ما أصابه وكذلك الصحابة الذين رباههم صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم أجمعين. ومن الأمثلة على ذلك ما يلي:

قال الصالحي قال عروة بن الزبير فيما رواه ابن إسحاق عنه (أول من جهر بالقرآن بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة عبد الله بن مسعود اجتمع يومًا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا والله ما سمعت قريش هذا القرآن يجهر لها به قط فمن رجل يسمعهموه فقال عبد الله بن مسعود أنا قالوا إنا نخشاهم عليك إنما نريد رجلًا له عشيرة يمنعونه من القوم إذا أرادوه. قال دعوني فإن الله تعالى سيمنعني فغدا ابن مسعود حتى أتى المقام في الضحى وقريش في أنديتها حتى قام عند المقام ثم قال بسم الله الرحمن الرحيم. الرحمن علم القرآن ثم استقبلها يقرؤها وتأملوه يقولون ماذا قال ابن أم عبد ثم قالوا إنه ليتلوا بعض ما جاء به محمد فقاموا إليه فجعلوا يضربون في وجهه وجعل يقرأ حتى بلغ ما شاء الله أن يبلغ ثم انصرف إلى أصحابه وقد أثروا بوجهه فقالوا هذا الذي خشينا عليك قال ما كان أعداء الله تعالى أهون علي منهم الآن ولئن شئتم لأغادينهم بمثلها غدا قالوا لا حسبك قد أسمعتهم ما يكرهون) [3] .

ويقول الصالحي أيضًا في معرض كلامه عمن رجع من الصحابة من الحبشة إلى مكة بعد الهجرة الأولى ( ... ودخل عثمان بن مظعون بجوار من الوليد بن المغيرة فلما قدم أولئك النفر مكة اشتد عليهم قومهم وسطت عليهم عشائرهم ولقوا منهم أذى شديدًا ولما رأى عثمان بن مظعون ما فيه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من البلاء وهو يغدو ويروح في أمان الوليد بن المغيرة قال والله إن غدوي ورواحي آمنا بجوار رجل من أهل الشرك وأصحابي وأهل ديني يلقون من البلاء والأذى في الله ما لا يصيبني لنقص كبير

(1) انظر كتاب الصبر في القرآن للقرضاوي وإحياء علوم الدين للغزالي (4: 60) .

(2) صحيح البخاري (4: 83) .

(3) سبل الهدى والرشاد (2: 469) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت