الصفحة 60 من 317

لعل عتبك محمود عواقبه ... وربما صحت الأجسام بالعلل

التاسع: أن يعلم أن المصيبة جاءت لتهلكه وتقتله وإنما جاءت لتمتحن صبره وتبتليه فيتبين حينئذ هل يصلح لاستخدامه وجعله من أوليائه وحزبه أم لا فإن ثبت اصطفاه واجتباه وخلع عليه خلع الإكرام وألبسه ملابس الفضل وجعل أولياءه وحزبه خدمًا له وعونًا له وإن انقلب على وجهه ونكص على عقبيه طرد وصفع قفاه وأقصى وتضاعفت عليه المصيبة وهو لا يشعر في الحال بتضاعفها وزيادتها ولكن سيعلم بعد ذلك بأن المصيبة في حقه صارت مصائب كما يعلم الصابر أن المصيبة في حقه صارت نعمًا عديدة وما بين هاتين المنزلتين المتباينتين إلا صبر ساعة وتشجيع القلب في تلك الساعة. والمصيبة لا بد أن تقلع عن هذا وهذا ولكن تقلع عن هذا بأنواع الكرامات والخيرات وعن الآخر بالحرمان والخذلان لأن ذلك تقدير العزيز العليم وفضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.

العاشر: أن يعلم أن الله يربي عبده على السراء والضراء والنعمة والبلاء فيستخرج منه عبوديته في جميع الأحوال فإن العبد على الحقيقة من قام بعبودية الله على اختلاف الأحوال وأما عبد السراء والعافية الذي يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه فليس من عبيده الذين اختارهم لعبوديته فلا ريب أن الإيمان الذي يثبت على محل الابتلاء والعافية هو الإيمان النافع وقت الحاجة وأما إيمان العافية فلا يكاد يصحب العبد ويبلغه منازل المؤمنين وإنما يصحبه إيمان يثبت على البلاء والعافية فالابتلاء كير العبد ومحك إيمانه فإما أن يخرج تبرا أحمر وإما أن يخرج زغلًا محضًا وإما أن يخرج فيه مادتان ذهبية ونحاسية فلا يزال به البلاء حتى يخرج المادة النحاسية من ذهبه ويبقى ذهبًا خالصًا. ا-هـ) [1] .

ومما يعين على الصبر والثبات عند حلول الشدائد والمحن معرفة الإنسان بطبيعة الحياة الدنيا وأن حياة الإنسان محفوفة بالمتاعب والمشقة (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ) [2] ومعرفة الإنسان بنفسه وأنه هو وما يملك ملك لله عز وجل يفعل به ما يريد (وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ) [3] ويقينه بالفرج من الله تعالى (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا، إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) [4] وروي عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال لن يغلب عسر يسرين [5] . واقتدائه بأهل الصبر والعزائم الذين لهم لسان ذكر طيب (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ) [6] .

(1) طريق الهجرتين لابن القيم (ص356 - 358) .

(2) البلد: 4.

(3) النحل: 53.

(4) الشرح: 5 - 6.

(5) تفسير ابن كثير (8: 454) .

(6) الأحقاف: 35.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت