الصفحة 59 من 317

إن الله سبحانه جعل الفتنة والابتلاء ملازمة للمؤمنين لا بد أن تحصل لهم كما أخبر بذلك عز وجل لحكم سامية وأغراض جليلة ذكرنا أهمها فيما تقدم ولا يستفيد منها إلا من صبر وثبت أو من أحدثت له الفتنة إنابة ورجوعًا إلى الله عز وجل.

وقد ثبت الرسول صلى الله عليه وسلم والرعيل الأول على ما اعترضهم من فتن ومحن فاستفادوا منها عزمًا وتصميمًا على مواصلة الجهاد واستفادوا منها توبة وإنابة ورجوعًا إلى الله فهو الملجأ والمغيث في جميع الأحوال إلى غير ذلك من الفوائد القيمة وذلك لإدراكهم لحكم الفتن والابتلاءات ولمعرفتهم بربهم وللغاية من خلقهم فكل ما كان العبد بالله أعرف كان على قضائه أصبر ولأمره أطوع. يقول ابن القيم (والصبر على البلاء ينشأ من أسباب عدة:

أحدها: شهود جزائها وثوابها.

الثاني: شهود تكفيرها للسيئات ومحوها لها.

الثالث: شهود القدر السابق الجاري بها وأنها مقدرة في أم الكتاب قبل أن يخلق فلا بد منها فجزعه لا يزيده إلا بلاء.

الرابع: شهوده حق الله عليه في تلك البلوى وواجبه فيها الصبر بلا خلاف بين الأمة أو الصبر والرضا على أحد القولين فهو مأمور بأداء حق الله وعبوديته عليه في تلك البلوى فلا بد له منه وإلا تضاعفت عليه.

الخامس: شهود ترتبها عليه بذنبه كما قال الله تعالى (وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ) فهذا عام في كل مصيبة دقيقة وجليلة فشغله شهود هذا السبب بالاستغفار الذي هو أعظم الأسباب في دفع تلك المصيبة قال علي بن أبي طالب ما نزل بلاء إلا بذنب ولا رفع بلاء إلا بتوبة.

السادس: أن يعلم أن الله قد ارتضاها له واختارها وقسمها وأن العبودية تقتضي رضاه بما رضي له به سيده ومولاه فإن لم يوف قدر المقام حقه فهو لضعفه فلينزل إلى مقام الصبر عليها فإن نزل عنه نزل إلى مقام الظلم وتعدي الحق.

السابع: أن يعلم أن هذه المصيبة دواء نافع ساقه إليه الطبيب العليم بمصلحته الرحيم به فليصبر على تجرعه ولا يتقيأه بتسخطه وشكواه فيذهب نفعه باطلًا.

الثامن: أن يعلم أن في عقبى هذا الدواء من الشفاء والعافية والصحة وزوال الألم ما لا تحصل بدونه فإذا طالعت نفسه كراهة هذا الدواء ومرارته فلينظر إلى عاقبته وحسن تأثيره قال الله تعالى وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئًا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون وقال تعالى فعسى أن تكرهوا شيئًا ويجعل الله فيه خيرًا كثيرًا وفي مثل هذا قال القائل:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت