الصفحة 62 من 317

في نفسي فمشى إلى الوليد فقال يا أبا عبد شمس وفت ذمتك وقد رددت إليك جوارك قال لم يا ابن أخي لعله آذاك أحد من قومي قال لا ولكني أرضى بجوار الله عز وجل ولا أريد أن أستجير بغيره قال فانطلق إلى المسجد فاردد عليّ جواري علانية كما أجرتك علانية فانطلقا حتى أتيا المسجد فقال الوليد هذا عثمان قد جاء يرد عليّ جواري قال صدق قد وجدته وفيًا كريم الجوار ولكنني قد أحببت ألا أستجير بغير الله عز وجل فقد رددت عليه جواره ثم انصرف عثمان ولبيد بن ربيعة بن مالك في مجلس من قريش ينشدهم قبل إسلامه فجلس عثمان معهم فقال لبيد:"ألا كل شيء ما خلا الله باطل"فقال عثمان صدقت.

فقال لبيد: وكل نعيم لا محالة زائل.

فقال عثمان كذبت نعيم الجنة لا يزول. قال لبيد يا معشر قريش والله ما كان يؤذى جليسكم فمتى حدث هذا فيكم. فقال رجل من القوم إن هذا سفيه من سفهاء معه قد فارقوا ديننا فلا تجدن في نفسك من قوله فرد عليه عثمان حتى شرى أمرهما فقام ذلك الرجل فلطم عينه فخضرها والوليد بن المغيرة قريب يرى ما بلغ عثمان فقال أما والله يا ابن أخي إن كانت عينك عما أصابها لغنية ولقد كنت في ذمة منيعة فقال عثمان بل والله إن عيني الصحيحة لفقيرة إلى مثل ما أصاب أختها في الله عز وجل وإني لفي جوار من هو أعز منك وأقدر يا أبا عبد شمس فقال له الوليد هلم يا ابن أخي إن شئت إلى جوارك فعد فقال لا [1] .

وغير هذه النماذج كثير وقد مر معنا مقاتلة عمر لكفار قريش في بداية إسلامه فلما تعب من مقاتلتهم جلس وقال في عزم وثبات دونكم فافعلوا ما شئتم والله لو كنا ثلاثمائة لتركتموها لنا أو تركناها لكم ومر معنا صبر بلال رضي الله عنه وثباته على الحق رغم ما عانى ومر معنا توجيه الرسول صلى الله عليه وسلم لخباب بن الأرت إلى الصبر وإخباره بأن الصبر على الفتنة ولو أدى إلى أن ينشر الرجل نصفين هو دأب المؤمنين السابقين.

وقد قص الله على المؤمنين في القرآن كثيرًا من القصص التي يثبت فيها أصحابها المؤمنون على الحق حتى يقتلوا كقصة أصحاب الأخدود وقصة صاحب ياسين وقصة إبراهيم عليه السلام لما ألقي في النار وذلك لكي يقتدي الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنون معه بأولئك في صبرهم وثباتهم (وَكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ) [2] (وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ وَلَقدْ جَاءكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ) [3] (وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ) [4] (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ) [5] .

(1) سبل الهدى والرشاد (2: 489) .

(2) هود: 120.

(3) الأنعام: 34.

(4) إبراهيم: 12.

(5) الأنعام: 90.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت