ومنهم أبو فكيهة واسمه أفلح ويقال يسار وكان عبدًا لصفوان بن أمية فأسلم حين أسلم بلال فأخذه أمية بن خلف وربط في رجله حبلًا وأمر به فجر ثم ألقاه في الرمضاء فمر به جُعل فقال أليس هذا ربك فقال الله ربي خلقني وخلقك وخلق هذا الجًعل فغلظ عليه وجَعَل يخنقه ومعه أخوه أبي ابن خلف يقول زده عذابًا حتى يأتي محمد فيخلصه بسحره فأخرجه نصف النهار في شدة الحر مقيدًا إلى الرمضاء ووضع على بطنه صخرة فدلع لسانه فلم يزل على تلك الحال حتى ظنوا أنه قد مات ثم أفاق فمر أبو بكر رضي الله عنه فاشتراه وأعتقه.
ومنهم عمار بن ياسر وأبوه وأمه سمية وأخوه عبد الله كانوا يعذبون أشد العذاب فمر عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال صبرًا آل ياسر فإن موعدكم الجنة فمات ياسر في العذاب وأغلظت سمية لأبي جهل فطعنها في قبلها فماتت ورمى عبد الله فسقط وغير هؤلاء كثير عذبوا في الله وابتلوا منهم جارية بني المؤمل بن حبيب ومنهم زنيرة الرومية فقد روى أنها عذبت حتى عميت فرد الله عليها بصرها [1] .
هذه سنة الله في خلقه لا بد للمؤمنين من ابتلاء وفتنة واختبار سواء كانت بالسراء أو بالضراء وما الأوامر والتكاليف الشرعية إلا جزء من هذا الاختبار. وهناك فوائد لابتلاء المؤمنين لا تحصى منها على سبيل المثال لا الحصر:
1 -تربية المؤمنين وصقل معادنهم وتمحيص ما في قلوبهم فهم ينضجون بالمحن كما ينضج الطعام بالنار.
(قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحَّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) [2] . يقول ابن القيم ( ... فإن القلوب يخالطها بغلبات الطبائع وميل النفوس وحكم العادة وتزيين الشيطان واستيلاء الغفلة ما يضاد ما أودع فيها من الإيمان والإسلام والبر والتقوى فلو تركت في عافية دائمة مستمرة لم تتخلص من هذه المخالطة ولم تتمحص منه فاقتضت حكمة العزيز أن قيض لها من المحن والبلايا ما يكون كالدواء الكريه لمن عرض له داء إن لم يتداركه طبيبه بإزالته وتنقيته من جسده وإلا خيف عليه من الفساد والهلاك .. ) [3] . ويقول سيد قطب: (إن حقيقة الإيمان لا يتم تمامها في قلب حتى يتعرض لمجاهدة الناس في أمر هذا الإيمان مجاهدتهم باللسان بالتبليغ والبيان ومجاهدتهم باليد لدفعهم عن طريق الهدى حين يعترضونه بالقوة الباغية وحتى يتعرض في هذه المجاهدة للابتلاء والصبر على الجهد والصبر على الأذى والصبر على الهزيمة والصبر على النصر أيضًا فالصبر على النصر أشق من الصبر على الهزيمة وحتى يتمحص القلب ويتميز الصف وتستقيم الجماعة على الطريق وتمضي فيه راشدة صاعدة متوكلة على الله. حقيقة الإيمان لا يتم تمامها في قلب حتى يتعرض لمجاهدة الناس في أمر هذا الإيمان لأنه يجاهد نفسه أولًا في أثناء مجاهدته للناس وتتفتح له في الإيمان آفاق لم تكن لتتفتح له أبدًا وهو قاعد آمن سالم وتتبين له حقائق في الناس وفي الحياة لم تكن لتتبين له أبدًا بغير هذه الوسيلة ويبلغ هو بنفسه ومشاعره وتصوراته وبعاداته وطباعه وانفعالاته واستجاباته ما لم يكن
(1) انظر سبل الهدى والرشاد (2: 476 - 484) .
(2) آل عمران: 154.
(3) زاد المعاد لابن القيم (3: 237) .