ابتلاء دعاة الحق من الرسل صلى الله عليهم وسلم وأتباعهم أمر لازم لا محيص عنه يدل على ذلك كتاب الله الكريم وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم (الم، أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ، وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) [1] .
يقول ابن كثير في تفسير هذه الآيات (وقوله أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون استفهام إنكار ومعناه أن الله سبحانه وتعالى لا بد أن يبتلي عباده المؤمنين بحسب ما عندهم من الإيمان كما جاء في الحديث الصحيح: أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل يبتلى الرجل على حسب دينه فإن كان في دينه صلابة زيد في البلاء. وهذه الآية كقوله أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين ومثلها في سورة براءة وهي قوله تعالى أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة وقال في البقرة أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب. ولهذا قال ها هنا ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين؛ أي الذين صدقوا في دعواهم الإيمان ممن هو كاذب في قوله ودعواه. ا. هـ) [2] .
وقد تعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم للفتنة والابتلاء كغيره من عباد الله الصالحين فابتلي بدعاية الكفر ضده وضد دعوته إذ قالوا إنه ساحر أو شاعر أو كاهن أو مجنون وقالوا عن دعوته إنها تفرق بين المرء وزوجه وإنها كهانة وإنها أساطير وإنما يعلمه بشر وابتلي بأبي هو وأمي بعرض المغريات عليه من الجاه والسلطان والمال والنساء لكي يترك دعوته أو يعبد آلهة الكفار سنة ويعبدون الله سنة أو يداهنهم ويترك عيب آلهتهم. قال تعالى: (وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ) [3] (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ، وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ، وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ، وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ، لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) وابتلي صلى الله عليه وسلم بالمقاطعة الاقتصادية والتجويع كما هو معروف من حصار الكفار للرسول صلى الله عليه وسلم في شعب أبي طالب وابتلي بالتعذيب الجسدي فعن عروة بن الزبير قال سألت ابن العاص فقلت أخبرني بأشد شيء صنعه المشركون برسول الله صلى الله عليه وسلم قال بينما النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في حجر الكعبة إذ أقبل عليه عقبة بن أبي معيط فوضع ثوبه على عنقه فخنقه خنقًا شديدًا فأقبل أبو بكر رضي الله عنه حتى أخذ بمنكبه ودفعه عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم [4] .
وقال ابن كثير قال الإمام أحمد حدثنا وهب بن جرير حدثنا شعبة عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون عن عبد الله قال ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا على قريش غير يوم واحد فإنه كان يصلي ورهط
(1) العنكبوت: 1 - 3.
(2) تفسير ابن كثير (6: 273) .
(3) القلم: 9.
(4) صحيح البخاري (4: 240) .