الصفحة 54 من 317

وكان أدنى القوم مجلسًا من أبي بكر فقال أبو بكر كيف العدد فيكم فقال مفروق إنا لا نزيد على الألف ولن تغلب ألف من قلة فقال أبو بكر وكيف المنعة فيكم فقال مفروق إنا لأشد ما نكون غضبًا حين نلقى وأشد ما نكون لقاء حين نغضب وإنا لنؤثر الجياد على الأولاد والسلاح على اللقاح والنصر من عند الله يديلنا مرة ويديل علينا أخرى لعلك أخا قريش فقال أبو بكر إن كان بلغكم أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فها هوذا فقال مفروق إلام تدعونا يا أخا قريش فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أدعوكم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأني عبد الله ورسوله وإلى أن تؤووني وتنصروني فإن قريشًا قد تظاهرت على الله وكذبت رسوله واستغنت بالباطل عن الحق والله هو الغني الحميد فقال مفروق وإلا تدعو أيضًا يا أخا قريش فوالله ما سمعت كلامًا أحسن من هذا فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) [1] . فقال مفروق دعوت والله إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال ولقد أفك قوم كذبوك وظاهروا عليك ثم رد الأمر إلى هانئ بن قبيصة فقال وهذا هانئ شيخنا وصاحب ديننا فقال هانئ قد سمعت مقالتك يا أخا قريش وإني أرى تركنا ديننا واتباعنا دينك لمجلس جلست إلينا لا أول له ولا آخر لذل في الرأي وقلة نظر في العاقبة إن الزلة مع العجلة وإنا نكره أن نعقد على من وراءنا عقدًا ولكن نرجع وترجع وننظر وتنظر ثم كأنه أحب أن يشركه المثنى بن حارثة فقال وهذا المثنى شيخنا وصاحب حربنا فقال المثنى -وأسلم بعد ذلك- قد سمعت مقالتك يا أخا قريش والجواب فيه جواب هانئ بن قبيصة في تركنا ديننا ومتابعتنا دينك وإنا إنما نزلنا بين صريين أحدهما اليمامة والآخر السمامة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ما هذا الصريان قال أنهار كسرى ومياه العرب فأما ما كان من أنهار كسرى فذنب صاحبه غير مغفور وعذره غير مقبول وأما ما كان مما يلي مياه العرب فذنب صاحب مغفور وعذره مقبول وإنا إنما نزلنا على عهد أخذه علينا كسرى أن لا نحدث حدثًا ولا نؤوي محدثًا وإني أرى هذا الأمر الذي تدعونا إليه يا أخا قريش مما تكره الملوك فإن أحببت أن نؤويك وننصرك مما يلي مياه العرب فعلنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أسأتم في الرد إذا أفصحتم بالصدق وإن دين الله عز وجل لن ينصره إلا من حاطه من جميع جوانبه أرأيتم إن لم تلبثوا إلا قليلًا حتى يورثكم الله تعالى أرضهم وديارهم ويفرشكم نساءهم أتسبحون الله وتقدسونه فقال النعمان اللهم فلك ذاك) [2] .

فها هو رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقبل من بني شيبان بن ثعلبة أن ينصروه من قوم دون قوم وأخبرهم أن دين الله لا ينصره إلا من حاطه من جميع جوانبه وهل يعقل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يطلب من قبائل العرب أن يؤمنوا به وينصروه وفي صحابته الذين آمنوا به وصدقوه من يرى أن نصرته والعمل تحت قيادته لإزالة الجاهلية غير واجبة لئلا يبطش بهم الكفار وهم في حال ضعف اللهم لا وما وجب في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يدل دليل على اختصاصه به فهو فريضة محكمة للمسلمين عمومًا وقد أمر الله المسلمين بإقامة الدين وتطبيق الأحكام الشرعية وكل وسيلة مشروعة تؤدي إلى هذا فهي واجبة والله أعلم.

(1) الأنعام: 151.

(2) سبل الهدى والرشاد (2: 596 - 597) والبداية والنهاية (3: 144 - 145) وفي البداية زيادات ليست عند الصالحي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت