من أسلم لقلة المسلمين بالمدينة وحاجتهم إلى الاجتماع فلما فتح الله مكة دخل الناس في دين الله أفواجًا فسقط فرض الهجرة إلى المدينة وبقي فرض الجهاد والنية على من قام به أو نزل به عدو) [1] .
قلت فإذا فرض الله على المسلمين الهجرة لأجل الحاجة إلى الاجتماع فكيف لا يجب عليهم الاجتماع إذا كان لا يقوم المجتمع المسلم الذي يطبق أحكام الله وحدوده ويجاهد الكفار إلا به ثم لو تدبر هذا القائل لتلك المقالة أقوال الصحابة وأفعالهم لاتضح له الأمر جليًا فهذا ورقة بن نوفل رضي الله عنه لما أخبره صلى الله عليه وسلم بما رأى في بداية الوحي قال هذا الناموس الذي نزل الله على موسى يا ليتني فيها جذعًا ليتني أكون حيًا إذ يخرجك قومك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أوَمخرجي هم قال نعم لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا .. الحديث [2] .
ولا شك أن ورقة عرف هذه السنة الربانية وهي سنة الصراع بين الحق والباطل من قراءته للكتب السماوية السابقة فإنه قد تنصر في الجاهلية وكان يكتب من الإنجيل بالعبرانية كما في صحيح البخاري [3] .
وهذا العباس بن عبادة بن نضلة الأنصاري أخو بني سالم بن عوف قال للصحابة ليلة العقبة الثانية أتدرون علام تبايعون هذا الرجل قالوا نعم قال إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود من الناس فإن كنتم ترون أنكم إذا نهكت أموالكم مصيبة وأشرافكم قتلًا أسلمتموه فمن الآن فهو والله إن فعلتم خزي الدنيا والآخرة وإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه على نهكة الأموال وقتل الأشراف فخذوه فهو والله خير الدنيا والآخرة .. الحديث [4] . فعدم نصرة الحق هي خزي الدنيا والآخرة وقد أقره الرسول صلى الله عليه وسلم على ذلك ولم يقل له إنه في حال الاستضعاف لا تجب نصرة الحق ..
يقول الصالحي وروى ابن إسحاق والبيهقي والإمام أحمد وابن عبد الله والطبراني برجال ثقات عن ربيعة بن عباد قال إني لغلام شاب مع أبي بمنى ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقف على القبائل من العرب فيقول يا بني فلان إني رسول الله إليكم يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا وأن تخلعوا ما تعبدون من دونه من هذه الأنداد وأن تؤمنوا بي وتصدقوني وتمنعوني حتى أبين عن الله عز وجل ما بعثني به ... الحديث [5] .
وروى الحاكم والبيهقي وأبو نعيم وقاسم بن ثابت عن علي رضي الله عنه قال لما أمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم أن يعرض نفسه على قبائل العرب خرج وأنا معه فذكر الحديث إلى أن قال ثم دفعنا إلى مجلس آخر عليه السكينة والوقار فتقدم أبو بكر فسلم فقال من القوم؟ قالوا من شيبان ابن ثعلبة فالتفت أبو بكر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال بأبي وأمي هؤلاء غرر الناس وفيهم مفروق بن عمرو وهانئ بن قبيصة والمثنى بن حارثة والنعمان ابن شريك وكان مفروق قد غلبهم لسانًا وجمالًا وكانت له غديرتان تسقطان على تربيته
(1) نيل الأوطار (8: 30) .
(2) صحيح البخاري (1: 3) .
(3) المصدر السابق.
(4) البداية والنهاية (3: 162) .
(5) سبل الهدى والرشاد للصالحي (2: 594) .