3 -ودعوتنا لجميع أهل الأرض أن يحدثوا انقلابًا عاما في أصول الحكم الحاضر الذي استبد به الطواغيت والفجرة الذين ملؤوا الأرض فسادًا وأن ينتزعوا هذه الإمامة الفكرية والعملية من أيديهم حتى يأخذها رجال يؤمنون بالله وباليوم الآخر ويدينون دين الحق ولا يريدون علوا في الأرض ولا فسادًا.
وبعد أن يشرح الأستاذ أبو الأعلى المطلب الأول والمطلب الثاني بشرح قيم مفيد ليس هنا موضع ذكره يبين أهمية المطلب الثالث فيقول (فتلك نتيجة طبيعية لما أسلفنا من معاني العبودية الكاملة وإخلاص الدين لله وكون الأنفس طاهرة من شوائب النفاق والأعمال بريئة من مظاهر التناقض كما لا يخفى على اللبيب المتفطن أن ذلك لا يتأتى إلا بإحداث انقلاب عام في نظام الحياة الحاضر الذي يدور قطبه حول رحى الكفر والإلحاد والفسوق والعصيان والذي يديره ويدبر أمره ويسير دفة شؤونه رجال انحرفوا عن الله ورسوله واستنكفوا عن عبادته واستكبروا في أرضه بغير الحق فما دامت أزمة أمور العالم بأيدي هؤلاء وما دامت العلوم والآداب والمعارف والصحف والتشريع والتنفيذ والشؤون الدولية والمالية والمسائل التجارية والصناعية تتحرك دواليبها بحركاتها وتتمشى عجلاتها حسب إرشادهم ورغباتهم لا يمكن للمسلم أن يعيش في الدنيا مسلمًا متمسكًا بمبادئه متبعًا الشريعة الإلهية منفذًا لقوانينها في حياته العملية فإنه من المستحيل أن يتبع الرجل الدين الإلهي الكامل المحيط بجميع نواحي الحياة وشعبها وهو يعيش في بلاد تدين لقانون غير قانون الشريعة وتسير على منهاج غير المنهاج المرضي عند الله بل يتعذر عليه أن يتعهد تربية أولاده وتلقينهم مبادئ الدين الإلهي وتعاليمه وأن ينشئهم على الأخلاق المرضية والآداب الإسلامية الزكية لأن نظام الكفر والإلحاد الذي يعيش في كنفه يسد في وجهه سبل التربية الإسلامية والبيئة الكافرة التي يتنسم هواءها تأبى عليه إلا أن يحذو حذو القوم ويتخلق بأخلاقهم ويتخلى عن مقومات دينه وخلقه تدريجيًا وزد على ذلك أنه من واجب العبد المسلم المخلص دينه لله أن يطهر أرض الله من أدناس الفساد والطغيان ويقيم فيها نظامًا معتدلًا على دعائم الصلاح والإرشاد ومن الظاهر البين أنه لا يتسنى الظفر بهذا المقصد ولا تنال هذه البغية السامية ما دام زمام أمور العالم بيد الطغاة والمفسدين في الأرض يديرونه كيفما يشاؤون وينصرفون في شؤونه حسب ما يريدون وقد تحقق لنا بالتجربة في هذا الزمان أن المتكبرين في أرض الله بغير الحق السادرين في غلوائهم بغيًا وعدوانًا هم العقبة الكبرى في سبيل إقامة نظم الصلاح والنصفة وأنهم هم الذين يحولون دون توطيد دعائم السلام والعدل وكذلك ثبت لنا باليقين والبرهان والمشاهدة أنه لا أمل في صلاح العالم ولا رجاء في استقامة الأمور على موازين الرشاد والحق ما دام أولئك الطغاة المنحرفون عن الله ورسوله يتصرفون في شؤون الملك ويديرون أموره ويشرفون على جليلها وصغيرها. فمن مقتضيات إسلامنا وعبوديتنا الخالصة لله الواحد الأحد أن نجد ونجتهد ونبذل الجهود المتواصلة والمساعي المتتابعة للقضاء على زعامة أئمة الكفر والضلال واجتثاث النظم الباطلة من جذورها وإحلال الإمامة العادلة والنظام الحق محلها) [1] .
وأما ذهوله عن سيرة رسوله صلى الله عليه وسلم فلأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان حريصًا على تكوين جماعة مؤمنة تنصره لكي يبلغ دين الله ويقيم المجتمع المسلم ولم يحدث في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم أن عاش صحابي منعزلًا عن جماعة المؤمنين لا يناصرهم ولا يتلقى الأوامر من الرسول صلى الله عليه وسلم ووجوب الهجرة من بلد الشرك إلا بلاد الإسلام من أوضح الأدلة على المراد .. يقول الخطابي وغيره (كانت الهجرة فرضًا في أول الإسلام على
(1) تذكرة دعاة الإسلام للمودودي (ص9 - 19) .