الصفحة 51 من 317

في نفس اللحظة تجمع عضوي حركي مستقل منفصل عن المجتمع الجاهلي ومواجه لهذا المجتمع ولم يوجد قط في صورة نظرية مجردة عن هذا الوجود الفعلي) [1] .

لقد استطردت في إثبات أن الرسول صلى الله عليه وسلم ركز على تربية أصحابه على العمل الجماعي الذي يعتبر الفرد نفسه فيه جنديًا مرابطًا ينتظر الأمر يصدر إليه من القيادة المتمثلة في رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكثرت من نقل أقوال العلماء في ذلك والذي حملني على هذا الاستطراد هو ما سمعته من بعض طلبة العلم -هدانا الله وإياهم- من قولهم إن اجتماع الدعاة إلى الله في جماعة لها قيادة تطاع في حال استضعاف أهل الإسلام وغربتهم غير واجب لأن هذا التجمع يعرض الدعاة إلى الله إلى غضب الطواغيت وبطشهم. وهذا القول خطير جدًا فإن قائله ذهل عن هدف الإسلام وذهل عن سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم.

فأما ذهوله عن هدف الإسلام فلأن هدف الإسلام -كما أشرت سابقًا- هو إخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ولا يكون هذا إلا بتجمع أشخاص عقيدتهم واحدة يقودهم أحدهم ويقارعون المجتمعات التي تدين لغير الله الواحد القهار كما قال تعالى: ( ... وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ) [2] (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا .. ) الآية [3] .

إن واجب المسلم أن يحكم شريعة الله في كل صغيرة وكبيرة في الحياة ولا يستطيع ذلك إلا أن يكون هو الحاكم للناس أو أن يحكمه من يعتقد بدين الإسلام ويلتزم به لأن الفرد لا يستطيع أن يعيش منعزلًا عن الناس بتاتًا فوجب عليه إذًا أن يسعى بكل ما أوتي من قوة لكي يقود الناس بكتاب الله أو يتولى عليه من يفعل ذلك لذا أوجب الله على المسلمين عزل الحاكم إذا رأوا منه كفرًا بواحًا وتنصيب حاكم مسلم يقودهم بكتاب الله كما هو مبسوط في كتب الفقه [4] .

وكثير من أحكام الإسلام كإقامة الحدود والجمع والجماعات وأمور الفضاء لا تتم إلا في مجتمع مسلم وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب كما هو مقرر في علم الأصول. يقول الأستاذ أبو الأعلى المودودي رحمه الله (إننا إذا أردنا عرض دعوتنا وإجمال غايتنا وأهدافها في كلمات قليلة يمكننا أن نقسمها إلى ثلاثة مطالب مهمة أساسية وهاك بيانها:

1 -دعوتنا للبشر كافة والمسلمين خاصة أن يعبدوا الله وحده ولا يشركوا به شيئًا ولا يتخذوا إلهًا ولا ربًا غيره.

2 -ودعوتنا لكل من أظهر الرضا بالإسلام دينا أن يخلصوا دينهم لله ويزكوا أنفسهم من شوائب النفاق وأعمالهم من التناقض.

(1) معالم في الطريق لسيد قطب (ص48 - 51) .

(2) البقرة: 251.

(3) الحج: 40.

(4) انظر نيل الأوطار للشوكاني (7: 198) فقد ذكر بحثًا ممتعًا في هذا الموضوع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت