الصفحة 50 من 317

الكيان في أي صورة من صور التهديد ومن أجل أن الجاهلية لا تتمثل في نظرية مجردة ولكن تتمثل في تجمع حركي على هذا النحو فإن محاولة إلغاء هذه الجاهلية ورد الناس إلى الله مرة أخرى لا يجوز ولا يجدي شيئًا أن تتمثل في نظرية مجردة فإنها حينئذ لا تكون مكافئة للجاهلية القائمة فعلًا والمتمثلة في تجمع حركي عضوي فضلًا على أن تكون متفوقة عليها كما هو المطلوب في حالة محاولة إلغاء وجود قائم بالفعل لإقامة وجود آخر يخالفه مخالفة أساسية في طبيعته وفي منهجه وفي كلياته وفي جزئياته بل لا بد لهذه المحاولة الجديدة أن تتمثل في تجمع عضوي حركي أقوى في قواعده النظرية والتنظيمية وفي روابطه وعلاقاته ووشائجه من ذلك المجتمع الجاهلي القائم فعلًا. والقاعدة النظرية التي يقوم عليها الإسلام على مدار التاريخ البشري هي قاعدة شهادة أن لا إله إلا الله أي إفراد الله سبحانه بالألوهية والربوبية والقوامة والسلطان والحاكمية؛ إفراده بها اعتقادًا في الضمير وعبادة في الشعائر وشريعة في واقع الحياة فشهادة أن لا إله إلا الله لا توجد فعلًا ولا تعتبر موجودة شرعًا إلا في هذه الصورة المتكاملة التي تعطيها وجودًا جديًا حقيقيًا يقوم عليه اعتبار قائلها مسلمًا أو غير مسلم ومعنى تقرير هذه القاعدة من الناحية النظرية أن تعود حياة البشر بجملتها إلى الله لا يقضون هم في أي شأن من شؤونها ولا في أي جانب من جوانبها من عند أنفسهم بل لا بد لهم أن يرجعوا إلى حكم الله فيها ليتبعوه وحكم الله هذا يجب أن يعرفوه من مصدر واحد يبلغهم إياه وهو رسول الله وهذا يتمثل في شطر الشهادة الثاني من ركن الإسلام الأول شهادة أن محمدًا رسول الله. هذه هي القاعدة النظرية التي يتمثل فيها الإسلام ويقوم عليها وهي تنشئ منهجًا كاملًا للحياة حين تطبق في شؤون الحياة كلها يواجه به المسلم كل فرع من فروع الحياة الفردية والجماعية في داخل دار الإسلام وخارجها في علاقاته بالمجتمع المسلم وفي علاقات المجتمع المسلم بالمجتمعات الأخرى. ولكن الإسلام كما قلنا لم يكن يملك أن يتمثل في نظرية مجردة يعتنقها من يعتتنقها اعتقادًا ويزاولها عبادة ثم يبقى معتنقوها على هذا النحو أفرادًا ضمن الكيان العضوي للتجمع الحركي الجاهلي القائم فعلًا فإن وجودهم على هذا النحو مهما كثر عددهم لا يمكن أن يؤدي إلى وجود فعلي للإسلام ... ومن ثم لم يكن بد أن تتمثل القاعدة النظرية للإسلام"أي العقيدة"في تجمع عضوي حركي آخر غير التجمع الجاهلي منفصل ومستقل عن التجمع العضوي الحركي الجاهلي الذي يستهدف الإسلام إلغاءه وأن يكون محور التجمع الجديد هو القيادة الجديدة المتمثلة في رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن بعده في كل قيادة إسلامية تستهدف رد الناس إلى ألوهية الله وحده وربوبيته وقوامته وحاكميته وسلطانه وشريعته وأن يخلع كل من يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ولاءه من التجمع الحركي الجاهلي -أي التجمع الذي جاء منه- ومن قيادة ذلك التجمع- في أي صورة كانت سواء كانت في صورة قيادة دينية من الكهنة والسدنة والسحرة والعرافين ومن إليهم أو في صورة قيادة سياسية واجتماعية واقتصادية كالتي كانت لقريش وأن يحصر ولاءه في التجمع العضوي الحركي الإسلامي الجديد وفي قيادته المسلمة. ولم يكن بد أن يتحقق هذا منذ اللحظة الأولى لدخول المسلم في الإسلام ولنطقه بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله لأن وجود المجتمع المسلم لا يتحقق إلا بهذا؛ لا يتحقق بمجرد قيام القاعدة النظرية في قلوب أفراد مهما تبلغ كثرتهم لا يتمثلون في تجمع عضوي متناسق متعاون له وجود ذاتي مستقل يعمل أعضاؤه عملًا عضويًا كأعضاء الكائن الحي على تأصيل وجوده وتعميقه وتوسيعه وفي الدفاع عن كيانه ضد العوامل التي تهاجم وجوده وكيانه ويعملون هذا تحت قيادة مستقلة عن قيادة المجتمع الجاهلي تنظم حركتهم وتنسقها وتوجههم لتأصيل وتعميق وتوسيع وجودهم الإسلامي ولمكافحة ومقاومة وإزالة الوجود الآخر الجاهلي وهكذا وجد الإسلام هكذا وحد متمثلًا في قاعدة نظرية مجملة ولكنها شاملة يقوم عليها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت