إذا اشتكى عضو تداعى له سائر جسده بالسهر والحمى) [1] وبأنهم كالبنيان كما في صحيح البخاري قال صلى الله عليه وسلم:"إن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشعد بعضه بعضًا وشبك بين أصابعه" [2] .
ووصفه صلى الله عليه وسلم دين الإسلام الذي يجمع المجتمع بأنه كالسفينة السائرة في البحر وأن الكفار والفساق قوم أرادوا خرقها وإغراق أهلها وأن المسلمين لا ينجيهم من الغرق إلا الأخذ على أيدي المفسدين كما في صحيح البخاري قال صلى الله عليه وسلم:"مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا ولو نؤذ من فوقنا فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعًا" [3] . فهذه مسؤولية جماعية يجب أن يقوم بها المسلمون مجتمعين لأن الكفار يقومون بخرق السفينة وهم مجتمعون ولا يفل الحديد إلا الحديد لقد أدرك ذلك عمر رضي الله عنه منذ دخوله الإسلام فقال للكفار -لما ضاربوه وهموا بقتله عند تحديه لهم بإسلامه- (أقسم بالله لو كنا ثلاثمائة لتركناها لكم أو تركتموها لنا) [4] يعني مكة. وأدرك ذلك الصحابي الجليل الذي قال لكسرى إن الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام [5] بل أدرك ذلك الجاهليون وعرفوا أن دعوة الإسلام تعني اجتماع الصحابة مع الرسول صلى الله عليه وسلم على حرب الطواغيت الذين يمارسون الربوبية على البشر، يقول المثنى بن حارثة -لما دعاه الرسول صلى الله عليه وسلم في موسم الحج إلى الإسلام- وإني أرى هذا الأمر الذي تدعونا إليه يا أخا قريش مما تكره الملوك [6] .
فالدعوة الإسلامية أساسها إفراد الله بالعبادة وإزالة كل ما يعبد من دون الله والتعاون والتناصر على ذلك وقد ربى رسول الله صلى الله عليه وسلم صحابته على ذلك بل إن الاجتماع على إزالة الكفر ونشر الإسلام بدهية من بدهيات الدعوة لأن الكفار يجتمعون على الباطل وعبادة الأوثان ويحاربون مجتمعين فلا يزيل الاجتماع إلا اجتماع مثله. يقول سيد قطب رحمه الله تعالى: ( ... ولكن الجاهلية التي تقوم على حاكمية البشر للبشر والشذوذ بهذا عن الوجود الكوني والتصادم بين منهج الجانب الإرادي في حياة الإنسان والجانب الفطري؛ هذه الجاهلية التي واجهها كل رسول بالدعوة إلى الإسلام لله وحده والتي واجهها رسول الله صلى الله عليه وسلم بدعوته؛ هذه الجاهلية لم تكن متمثلة في نظرية مجردة بل ربما أحيانًا لم تكن لها نظرية على الإطلاق إنما كانت متمثلة دائمًا في تجمع حركي؛ متمثلة في مجتمع خاضع لقيادة هذا المجتمع وخاضع لتصوراته وقيمه ومفاهيمه ومشاعره وتقاليده وعاداته وهو مجتمع عضوي بين أفراده ذلك التفاعل والتكامل والتناسق والولاء والتعاون العضوي الذي يجعل هذا المجتمع يتحرك بإرادة واعية أو غير واعية للمحافظة على وجوده والدفاع عن كيانه والقضاء على عناصر الخطر التي تهدد ذلك الوجود وهذا
(1) صحيح البخاري (7: 78) .
(2) صحيح البخاري (1: 123) .
(3) صحيح البخاري (3: 111) .
(4) قال الصالحي (2: 498) في سبل الهدى والرشاد وهذا مروري بسند صحيح عن ابن عمر.
(5) البداية والنهاية لابن كثير (7: 39) .
(6) سبل الهدى والرشاد للصالحي (2: 597) .