صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا) [1] قال قتادة في تفسير هذه الآية (إن نبي الله أعلم أن لا طاقة له بهذا الأمر إلا بسلطان فسأل سلطانًا نصيرًا لكتاب الله عز وجل ولحدود الله ولفرائض الله ولإقامة دين الله وإن السلطان رحمة من الله جعلها بين أظهر عباده لولا ذلك لأغار بعضهم على بعض فأكل شديدهم ضعيفهم) [2] .
لقد ربى رسول الله صلى الله عليه وسلم الرعيل الأول على هذه الروح فكان كل واحد منهم جنديًا مرابطًا ينتظر الأوامر من الرسول صلى الله عليه وسلم ولا يقدم على عمل إلا بعد أن يستأذن الرسول صلى الله عليه وسلم كما فعل عبد الرحمن بن عوف ومعه بعض الصحابة لما بلغ بهم الأذى مداه فقالوا: (يا نبي الله كنا في عز ونحن مشركون فلما آمنا صرنا أذلة قال إني أمرت بالعفو فلا تقاتلوا فكفوا ... الحديث) [3] .
وكذلك الصحابة الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة العقبة الثانية قالوا له إن شئت أن نميل على أهل منى بأسيافنا فقال لهم إني لم أومر [4] . فهم رضوان الله عليهم ينتظرون الأوامر منه صلى الله عليه وسلم وهو بأبي وأمي ينتظرها من الرحمن الرحيم جل وعلا.
ومن بنود البيعة أنه صلى الله عليه وسلم بايعهم على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره وفي هذا توجيه إلى أنه لا يقوم بدين الله ونشره ونصره إلا جماعة لها قيادة تطاع في المعروف. قال صلى الله عليه وسلم لا يحل لثلاثة يكونون بفلاة من الأرض إلا أمروا عليهم أحدهم رواه أحمد. وقال صلى الله عليه وسلم إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا عليهم أحدهم رواه أبو داود قال الشوكاني -بعد أن ساق هذين الحديثين وذكر طرقهما وأنه يشهد بعضها لبعض -وفيها دليل على أنه يشرع لكل عدد بلغ ثلاثة فصاعدًا أن يؤمروا عليهم أحدهم لأن في ذلك السلامة من الخلاف الذي يؤدي إلى التلاف فمع عدم التأمير يستبد كل واحد برأيه ويفعل ما يطابق هواه فيهلكون ومع التأمير يقل الاختلاف وتجتمع الكلمة وإذا شرع هذا لثلاثة يكونون في فلاة من الأرض أو يسافرون فشرعيته لعدد أكثر يسكنون القرى والأمصار ويحتاجون لدفع التظالم وفصل التخاصم أولى وأحرى) [5] .
وإن من تربية الروح الجماعية عند الرعيل الأول وصف الرسول صلى الله عليه وسلم لهم بأنهم كالجسد الواحد كما جاء في صحيح البخاري قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد"
(1) الإسراء: 80.
(2) تفسير الطبري (15: 102) .
(3) مستدرك الحاكم (2: 307) .
(4) مسند أحمد بن حنبل (3: 462) ، زاد المعاد لابن القيم (3: 48) وقال المحققان لزاد المعاد شعيب الأرناؤوط وعباد القادر الأرناؤوط عن الحديث إسناده صحيح.
(5) نيل الأوطار للشوكاني (8: 288) .