وقد وصف الله المؤمنين بأن أمرهم شورى بينهم ولو لم يكونوا مجتمعين لما حصلت المشاورة. يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي (طريقة القرآن في أحوال السياسة الداخلية والخارجية أعلى طريقة وأقرب إلى حصول جميع المصالح الكلية وإلى دفع المفاسد ولو لم يكن في القرآن من هذا النوع إلا قوله تعالى في سورة آل عمران:(وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ) وإخباره عن المؤمنين في سورة الشورى (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ) . فالأمر مفرد ومضاف إلى المؤمنين وفي الآية الأولى قد دخلت عليه ال المفيدة للعموم والاستغراق يعني أن جميع أمور المؤمنين وشؤونهم واستجلاب مصالحهم واستدفاع مضارهم معلق بالشورى والتعاون على الاهتداء إلى الأمر الذي يجرون عليه في حل مشكلاتهم وتدعيم سلطانهم وتجنيبهم الخلاف المفضي إلى تفكك قواهم وانحلال عراهم .. فهذا النظام العجيب الذي أرشد إليه القرآن هو النظام الذي يصلح لكل زمان ومكان ولكل أمة ومن ذلك قوله تعالى في سورة الأنفال (وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ) فهذه الآية تصرح بوجوب الاستعداد للأعداء بكل ما نستطيعه من قوة عقلية ومعنوية ومادية مما لا يمكن حصره وفي كل وقت ولكل عدو يتعين سلوك ما يلائم ذلك الوقت ويناسبه ... ومن عجيب ما نبه عليه القرآن من النظام الوحيد أن الله عاتب المؤمنين بقوله في سورة آل عمران (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ) فأرشد الله عباده إلى أنه ينبغي أن يكونوا بحالة من الحكمة واستقامة الأمور على طرقها بحيث لا يزعزعهم عنها فقد رئيس مهما كان عظيمًا. وما يكون ذلك إلا بأن يستعدوا لكل أمر من أمورهم الدينية والدنيوية بعدة من القادة متساوين أو متقاربين في قوة القيادة والدربة والحنكة والسياسة الدينية والاقتصادية والحربية إذا فقد أحدهم قام مقامه غيره) [1] .
ومن أدلة تربية الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه على العمل الجماعي قوله لهم:"... عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد من أراد بحبوحة الجنة فيلزم الجماعة ... الحديث) [2] . وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه (عليكم بالطاعة والجماعة فإنها حبل الله الذي أمر به) [3] . ويقول الطبري في تفسيره لقوله تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا) (يعني جل ثناؤه بقوله ولا تفرقوا ولا تتفرقوا عن دين الله وعهده الذي عهد إليكم في كتابه من الائتلاف والاجتماع على طاعته وطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم والانتهاء إلى أمره) [4] ."
إن مقصود البعثة المحمدية هو إخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد والطواغيت الذي يُعبّدون البشر لأنفسهم لا يتركون أتباعهم يتخلون عن عبادتهم بسهولة كما قال أحدهم: (قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ) [5] . فلا بد من جماعة مؤمنة لها قيادة تطاع في المعروف لكي تزيل الطواغيت وتقهرهم حتى يخلوا بين الأتباع والإسلام. لأجل هذا أرشد الله نبيه لأن يقول (وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ
(1) القواعد الحسان لتفسير القرآن للسعدي (ص127 - 129) .
(2) رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه انظر تحفة الأحوذي (6: 384) .
(3) تفسير الطبري (4: 22) .
(4) تفسير الطبري (4: 21) .
(5) الشعراء: 49.