الصفحة 46 من 317

5 -تكليفه عامر بن فهيرة أن يرعى غنمه نهارًا ويريحها عليهما ليلًا ليأخذا حظمهما من اللبن ولتطمس بحوافر الأغنام آثار الأقدام التي تتردد على الغار.

6 -استئجاره رجلًا من المشركين ليكون دليلًا لهما على طريق المدينة.

فإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو المؤيد بالوحي والمسدد بهدي العليم الخبير قد اتخذ جملة ترتيبات ومجموعة إجراءات في واحدة من عشرات الحوادث فما بال العالمين للإسلام اليوم وقد انقطع الوحي وأشكلت الأمور وادلهمت الأجواء بكيد الأعداء لا يستنيرون بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يقتفون أثره فتكون لهم أعين يبصرون بها وآذان يسمعون بها، بل ما بالهم لا يتعلمون من عدوهم دقة التنظيم وحسن التنظيم والقدرة على التنظيم. إن الإسلام يريدنا أن نكون قمة في كل شيء في أمور ديننا ودنيانا وليس من الإسلام في شيء جهلنا بأمور دنيانا فالدنيا مطية الآخرة إن لم نحسن امتطاءها وتسخيرها في مصلحة الإسلام سخرها أعداؤها ضدنا ونالوا بها منا ومن إسلامنا كما هو حاصل اليوم. إن الأخذ بأسباب القوة الحسية -والتنظيم أهم هذه الأسباب- فريضة شرعية لا يجوز تعطيلها أو إهمالها بدليل قول الله تعالى: (وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ) ثم بدليل نص نبوي لا مجال لتأويله وهو قوله صلى الله عليه وسلم"إن الله يحب من أحدكم إذا عمل العمل أن يتقنه"والحقيقة أنه لا إتقان من غير تنظيم بالغًا ما بلغت الطاقات والإمكانات إذ العبرة بالكيف لا بالكم والتنظيم جوهر الكيف ومادته الأولى والأهم. أ. ه) [1] .

وكما ربى رسول الله صلى الله عليه وسلم صحابته على إتقان العمل وتنظيمه رباهم على التعاون على البر والتقوى وعلى العمل الجماعي لنشر الدعوة الإسلامية يدل على ذلك قول الله تعالى: (وَالْعَصْرِ، إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) . فشرط السلامة من الخسران هو العمل بالصالحات والتواصي بالصبر على السير في الطريق الموصل إلى الله والصبر على العوائق عن ذلك وقد عرف الصحابة رضوان الله عليهم قدر هذا الأمر العظيم حتى كانوا إذا التقى الرجلان منهم وأرادا أن يفترقا قرأ أحدهما على الآخر سورة العصر إلى آخرها ثم يسلم أحدهما على الآخر. وقال الشافعي لو تدبر الناس هذه السورة لوسعتهم [2] .

ويقول سيد قطب في تفسير هذه السورة (والتواصي بالحق ضرورة فالنهوض بالحق عسير والمعوقات عن الحق كثيرة، هوى النفس ومنطق المصلحة وتصورات البيئة وطغيان الطغاة وظلم الظلمة وجور الجائرين. والتواصي تذكير وتشجيع وإشعار بالقربى في الهدى والغاية والأخوة في العبء والأمانة فهو مضاعفة لمجموع الاتجاهات الفردية إذ تتفاعل معًا فتتضاعف؛ تتضاعف بإحساس كل حارس للحق أن معه غيره يوصيه ويشجعه ويقف معه ويحبه ولا يخذله وهذا الدين وهو الحق لا يقوم إلا في حراسة جماعة متعاونة متواصية متكافلة متضامنة على هذا المثال" [3] ."

(1) أبجديات التصور الحركي للعمل الإسلامي لفتحي يكن (ص171 - 172) .

(2) انظر تفسير ابن كثير (8: 499) .

(3) في ظلال القرآن (6: 3968) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت