الصفحة 4 من 317

أما بعد ..

فقد أصيبت الأمة الإسلامية في القرون المتأخرة في أعز ما تملك وهو دينها ومنهجها الرباني الذي لا قيام لها إلا به فتناولتها معاول الهدم والتخريب حتى أصبح الناس يخرجون من دين الله أفواجًا كما كانوا يدخلونه أفواجًا في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وفي عهد صحابته الكرام رضي الله عنهم أجمعين. وهذه المصيبة العظيمة ناتجة عن أمرين عظيمين:

الأمر الأول: انحراف الأمة الداخلي.

بدأ الانحراف في الأمة الإسلامية مبكرًا ثم بدأ يتسع حتى وصل إلى الحال التي هو عليها الآن. ويمكن تلخيص أهم تلك الانحرافات فيما يلي:

1 -كانت الدولة الإسلامية في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام تحتكم إلى كتاب الله وسنة رسوله في كل شؤون الحياة وكان حكم الله يجري على الحاكم والمحكوم سواء وكان الناس يتلقون أوامر الله وأوامر رسوله صلى الله عليه وسلم للتنفيذ لا للمعرفة الذهنية فقط ولا للاحتيال عليها لإسقاطها ثم بدأ التساهل في تطبيق بعض أحكام الله واستمر هذا الانحراف يتسع أحيانًا ويضيق أحيانًا حتى بلغ اقصى مداه في العصور المتأخرة وحتى أصبحت القوانين الوضعية التي يضعها البشر بأهوائهم يتحاكم إليها كثير من المسلمين عند التنازع.

2 -كان حكم الدولة الإسلامية في أيدي علماء الأمة الأتقياء أمثال أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ومعاوية رضي الله عنهم أجمعين. ثم بدأ الانحراف وصار يتولى حكم المسلمين من ينقصه الفقه في دين الله والورع عن المحرمات في أغلب الأحيان بل لقد نزا على حكم المسلمين في فترات ليست قصيرة مبتدعة يدعون إلى بدعتهم كبدعة الاعتزال في المأمون والمعتصم وكبدعة الرفض في الدولة الصفوية بل وحتى زنادقة كالعبيديين واستمر هذا الانحراف حتى صار يحكم المسلمين في القرون المتأخرة كثير من العلمانيين والماسونييين والقوميين والبعثيين والحداثيين.

3 -بعد أن كان الجهاد مستمرًا وبلاد الكفار تدخل في دين الله تباعًا وتنعم بتطبيق حكم الله وحكم رسوله صلى الله عليه وسلم عليها. أصبح قتال المسلمين لأجل الملك لا للجهاد واستمر الانحراف حتى صار بعض أمراء المسلمين يستعينون بالكفار في قتال بعضهم بعضًا لأجل شهوة الدنيا ومتاعها كما حدث في الأندلس وغيرها من بقاع المسلمين.

4 -بعد أن كانت العقيدة صافية نقية لا تتلقى إلا من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم تتلقى من كتب فلاسفة اليونان الوثنيين المترجمة ومن آراء الرجال ونظرياتهم ومن العقول البشرية القاصرة عن معرفة الحق كاملًا فحدثت في الأمة الإسلامية البدع العظيمة كبدعة الخوارج وبدعة القدرية وبدعة الروافض وبدعة الصوفية وبدعة الجهمية وبدعة المعتزلة ونحو ذلك واستمر هذا الانحراف في الأمة يفتت وحدتها ويضعف قوتها ويفسد عقيدتها ويجعلها مرتعًا خصبًا للبدعيات والشركيات.

الأمر الثاني:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت