الصفحة 5 من 317

استيلاء الكفار على بلاد المسلمين بالقوة العسكرية المصحوبة بالغزو الفكري فنحّوا ما تبقى من شريعة الله عن الحكم وصارت البلاد المستعمرة تحكم بقوانين الكفار الوضعية وغيّرت منهاهج التعليم ووسائل الإعلام المتلفة وصيغت على نحو يجتث العقيدة الإسلامية من أساسها فاختلط الحابل بالنابل وفقد المسلمون أعز ما يملكون وهو العقيدة الصحيحة وأصبح يطلق على الرجل اسم الإسلام لأنه يقول لا إله إلا الله فقط ولو كان لا يصلي ولا يزكي ولا يحكّم شرع الله في أغلب شؤونه بل قد يكون منتسبًا إلى حزب شيوعي يرى الشيوعية أصلح من الإسلام ويجاهد بكل ما أوتي من قوة لإحلال المذهب الشيوعي محل الإسلام أو منتسبًا إلى حزب قومي يرى التجمع تحت راية القومية خيرًا من التجمع تحت راية لا إله إلا الله. وانتشرت من جراء الغزو الفكري والعسكري في أبناء المسلمين المفاهيم العلمانية التي تجعل الدين مسألة شخصية يمارسه الإنسان بينه وبين ربه. أما واقع الحياة فتحكمه أنظمة وقوانين من وضع البشر بآرائهم وأهوائهم لا تعتمد على كتاب الله ولا على سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وظهرت الدعوة إلى الإنسانية الواحدة وأبرزت على أنها الهدف النبيل السامي الذي يجب أن تسعى له البشرية بكاملها وجعلت عوضًا عن التقرب إلى الله والمراد منها أن لا يكون هناك تمايز بين المسلمين والكفار بل يعيش البشر بعضهم مع بعض سواسية مختلطين لا يكدر صفو عيشهم ولهوهم حروب دينية ولا يوجد بينهم بغضاء بسبب العقيدة بل يعتبر الإنسانيون الحرب من أجل إظهار المعتقد أو نشره جريمة يعاقب عليها القانون .. وأصبحنا نرى أناسًا من المسلمين وقد يطلق عليهم علماء يستحون أن يذكروا آيات الجهاد وأحاديثه أمام أصدقائهم من الكفار ويستحون من ذكر الآيات والأحاديث الآمرة ببغض الكفار والبراءة منهم وتحمرُّ وجوههم خجلًا من ذكر أحكام الجزية والاسترقاق وقتل الأسرى .. ويودون لو محوا تلك الآيات والأحاديث من القرآن والسنة حتى لا ينتقدهم العالم (المتحضر!!) وإذ لم يستطيعوا ذلك لأن الله قد حفظ دينه (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) [1] فإنهم قد قاموا بما يستطيعون فأوّلوا تلك الآيات والأحاديث تأويلات تشبه تأويلات الباطنية في أكثر الأحيان ودفعهم إلى تلك التأويلات أعداء الله"الموسومون بالمستشرقين"بما يحرجونهم به من انتقادات حادة حينًا وبما يفتحونه لهم من باب التأويلات الباطلة أحيانًا ونتيجة لذلك لا يكاد المرء يسمع الآن إلا رنين العبارات الآتية: السلام العالمي .. التعايش السلمي .. الحدود الآمنة .. المجتمع الدولي المستقر البعيد عن ويلات الحروب ..

وإن كان هناك حروب فلا يسمح أن تكون لله ولا لإعلاء كلمة الله وخفض كلمة الكفر ولا لإنقاذ المستضعفين في الأرض وإنما تكون لأجل الوطن ولأجل القومية ولأجل المصالح الاقتصادية ولأجل حفظ التوازن الدولي ونحو ذلك وإن كان هناك طائفة تريد أن تكون حربها لإعلاء كلمة الله وخفض كلمة الكفر فإنه تنهال عليها عبارات الشتم والتنفير. انظروا إنهم متطرفون .. أعداء السلام .. متزمتون يرون نشر الدين بالعنف .. مصاصون للدماء .. يريدون القضاء على حضارة القرن العشرين ..

هذا هو الواقع التعيس للأمة الإسلامية في عصرنا الحاضر. ولأن الله قد أوجب علينا نصر دينه وإظهار حجته أخذت هذا البحث موضوعًا لرسالة الدكتوراه في قسم العقيدة بجامعة أم القرى وأسأل الله سبحانه أن ينصرنا ويثبت أقدمنا .. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) [2] وأن

(1) الحجر: 9.

(2) محمد: 7.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت