ولا شك أن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم عرفوا الله بأسمائه الحسنى وصفاته العليا إذ هي مبثوثة في القرآن الكريم الذي كان يتلوه عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فغالب الآيات تختم بصفات الله تعالى وأسمائه الحستى لتأكيدها وترسيخها في النفوس ولكي يعبد الله بمقتضاها فإن النفس التي تعرف الله حق معرفته لا تصرف شيئًا من أنواع العبادة لغيره سبحانه.
فمن عرف أن الله أحكم الحاكمين وأن الحكم له وحده معرفة جازمة صادقة هل يتصور منه التحاكم إلى غير الله أو الشك في حكمته سبحانه ومن عرف أنه الضار النافع المحيي المميت هل يتصور منه الخوف من شيء أن يصيبه بأذى بغير إذن من الله ومن عرف أن الله سبحانه هو المعطي المانع الرازق الوهاب هل يتصور منه أن يطلب الرزق من غيره سبحانه ومن عرف أن الله هو المطلع على خفايا الصدور المحيط بكل شيء القادر على كل شيء العليم بكل شيء السميع البصير هل يتصور منه أن ينتهك محارم الله كلما خلا بنفسه. لقد تربى الرعيل الأول رضوان الله عليهم على فهم صفات الله وأسمائه الحسنى وعبدوه بمقتضاها فعظم الله في نفوسهم وأصبح رضاه سبحانه غاية مقصدهم وسعيهم واستشعروا مراقبته لهم في كل الأوقات فكبحوا جماح نفوسهم من أن تزل والله مطلع عليها. وبهذا يظهر أن توحيد الربوبية ركيزة عظيمة ينبني عليها توحيد الألوهية الذي دعت إليه جميع الرسل. وقد تطهر صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم من ضد توحيد الربوبية وهو اعتقاد متصرف مع الله عز وجل في أي شيء من تدبير الكون من إيجاد أو إعدام أو إحياء أو إماتة أو طلب خير أو دفع شر بغير إذن من الله سبحانه أو اعتقاد منازع له في شيء من مقتضيات أسمائه وصفاته كعلم الغيب وكالعظمة والكبرياء وكالحاكمية المطلقة وكالطاعة المطلقة ونحو ذلك. وقد أمر الله الناس أن يوحدوه بمقتضى ما له من الأسماء والصفات وهذا التوحيد يسمى توحيد الألوهية وتوحيد الطلب والقصد وهو توحيد الله بأفعال العباد، أما توحيد الربوبية فهو توحيد الله بأفعاله سبحانه، وغالب سور القرآن متضمنة لنوعي التوحيد بل كل سورة في القرآن فيها إشارة إلى التوحيد. فالقرآن إما خبر عن الله وأسمائه وصفاته وهو التوحيد العلمي الخبري وإما دعوة إلى عبادته وحده لا شريك له وخلع ما يعبد من دونه فهو التوحيد الإرادي الطلبي، وإما أمر ونهي وإلزام بطاعته فذلك من حقوق التوحيد ومكملاته، وإما خبر عن إكرامه لأهل توحيده وما فعل بهم في الدنيا وما يكرمهم به في الآخرة فهو جزاء توحيده. وإما خبر عن أهل الشرك وما فعل بهم في الدنيا من النكال وما يحل بهم في العقبى من العذاب فهو جزاء من خرج عن حكم التوحيد فالقرآن كله في التوحيد وحقوقه وجزائه وفي شأن الشرك وأهله وجزائهم [1] .
وقد جاء القرآن المكي مقررًا توحيد الألوهية -توحيد القصد والطلب والإرادة- مبينًا أن كل رسول قد دعا قومه إلى إفراد الله بالعبادة. قال تعالى عن نوح عليه السلام (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ، أَن لاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللّهَ إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ) [2] . وقال عن هود عليه السلام (وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ) [3] وقال عن صالح عليه
(1) انظر شرح العقيدة الطحاوية (ص88) .
(2) هود:25 - 26.
(3) هود: 50.