الصفحة 265 من 317

يسلموا لحكمه ظاهرًا وباطنًا وقال قبل ذلك (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلًا بَعِيدًا، وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا) .

فبين سبحانه أن من دعى إلى التحاكم إلى كتاب الله وإلى رسوله فصد عن رسوله كان منافقًا وقال سبحانه: (وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ، وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ، وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَاتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ، أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ، إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا) فبين سبحانه أن من تولى عن طاعة الرسول وأعرض عن حكمه فهو من المنافقين وليس بمؤمن. وأن المؤمن هو الذي يقول سمعنا وأطعنا فإذا كان النفاق يثبت ويزول الإيمان بمجرد الإعراض عن حكم الرسول وإرادة التحاكم إلى غيره مع أن هذا ترك محض وقد يكون سببه قوة الشهوة فكيف بالنقص والسب ونحوه؟ ويؤيد ذلك ما رواه أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الرحمن بن إبراهيم ابن دحيم في تفسيره. حدثنا شعيب بن شعيب حدثنا أبو المغيرة حدثنا عتيبة بن ضمرة حدثني أبي عن رجلين اختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم -فقضى للحق على المبطل فقال المقضي عليه لا أرضى فقال صاحبه فما تريد قال أن نذهب إلى أبي بكر الصديق فذهبا إليه فقال الذي قضى له قد اختصمنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقضى لي عليه فقال أبو بكر فأنتما على ما قضى به النبي صلى الله عليه وسلم فأبى صاحبه أن يرضى وقال نأتي عمر بن الخطاب فأتياه فقال المقضي له قد اختصمنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقضى لي عليه فقال أبو بكر فأنتما على ما قضى به النبي صلى الله عليه وسلم فأبى صاحبه أن يرضى وقال نأتي عمر بن الخطاب فأتياه فقال المقضي له قد اختصمنا إلى النبي صلى الله علي وسلم فقضى لي عليه فأبى أن يرضى فسأله عمر فقال كذلك فدخل عمر منزله فخرج والسيف في يده قد سله فضرب به رأس الذي أبى أن يرضى فقتله فأنزل الله تبارك وتعالى (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ .. ) الآية، وهذا المرسل له شاهد من وجه آخر يصلح للاعتبار. ثم ذكر ابن تيمية رواية أخرى للقصة غير أنه ليس فيها أن المتحاكمين ذهبا إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وقال وقد رويت هذه القصة من غير هذين الوجهين [1] .

إن ضرر أهل الإرجاء على الأمة الإسلامية ليس بالأمر الهين فكم من مصلح مجاهد ظهر يدعو لإزالة الشرك وإقامة الشرك وإقامة شرع الله وقف أهل الإرجاء حجر عثرة في طريق جهاده بعقيدتهم الفاسدة؛ وأوضح مثال على ذلك شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب؛ فإنه لما أعلن جهاده على المشركين الذين يطوفون بالقبور ويذبحون عندها النذور ويستغيثون بأهلها من دون الله ويتحاكمون إلى طواغيتهم ويستهزئون بالشرع قام في وجهه علماء الإرجاء وقالوا كيف تقاتل من يقول لا إله إلا الله؟ فأجابهم رحمه الله بأدلة في غاية الوضوح هذا ملخصها .. إن العلماء في زماننا يقولون من قال لا إله إلا الله فهذا المسلم حرام المال والدم ولا يكفر ولا يقاتل حتى أنهم يصرحون بذلك في شأن البدو الذين يكذبون بالبعث وينكرون الشرائع ويزعمون أن شرعهم الباطل هو حق الله ولو طلب أحد منهم خصمه أن يخاصمه عند شرع الله لعدوه من أنكر المنكرات بل من حيث الجملة أنهم يكفرون بالقرآن من أوله إلى آخره ويكفرون

(1) الصارم المسلول ص37 - 39.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت