لأن الله أمر المؤمنين بأن يجاهدوا الكافرين فإذا حصل لبس في مسمى الإيمان والكفر فأعطيت صفة الإيمان لمن لا يستحقها أو نزعت صفة الكفر عمن استحقها فكيف ينفذ أمر الله وحدوده غير معروفة؟!
إن عقائد الإرجاء وسعت دائرة الإيمان حتى أدخلت فيه أصنافًا كثيرة من الكفار والمرتدين والزنادقة وبالتالي رفعت عنهم سيف الحق الذي أمر الله بإنزاله على رقابهم فخربوا العباد والبلاد وطبقوا أصناف الكفر في ديار المسلمين باسم الإسلام حينًا وبغير اسمه أحيانًا، وانخدعت جماهير الناس بفتاوى علماء الإرجاء، واعتقدت بعقيدتهم أو تأثرت بإيحائها فخلا الجو للملاحدة والزنادقة يشرعون الكفر للناس باسم الإصلاح والتقدمية والاشتراكية ويعارضون نصوص القرآن والسنة وهم متسربلون بسربال الإيمان في نظر علماء الإرجاء وفي نظر الجماهير المتأثرة بهم ما دام أنهم يسمعونهم في بعض المرات يقولون لا إله إلا الله. وكان من نتائج هذا قوانين وضعية تبيح انتهاك الأعراض وإفساد العقول وتهلك الحرث والنسل حتى أصبحت المادة القانونية:"إذا زنت البكر برضاها فلا شيء عليها"أشهر عند أقوام يدعون الإسلام من قول الله تعالى (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَاخُذْكُم بِهِمَا رَافَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ الآية) [1] وأصبحت تصاريح فتح الخمارات والملاهي والمواخير والبنوك الربوية أشهر عند أقوام يدعون الإسلام من قول الله تعالى: (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [2] ، وقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) [3] ، وقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ، فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَاذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ) [4] وإذا نصحت صاحب خمارة أو دعارة أو بنك ربوي قال لك: عندي إذن وتصريح قانوني فما لك وشأني!!
وما كان هذا ليحدث في مجتمع مسلم يعرف حدود ما أنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم لولا تغلغل عقائد الإرجاء فيه وذهاب عقيدة الجهاد من واقعه وانطماس معرفته بحقيقة الإيمان وحقيقة الكفر. إنه ليس كل من قال لا إله إلا الله بلسانه لا يجوز جهاده كما يزعم بعض المرجئة بل أجمع الصحابة رضوان الله عليهم على جهاد المرتدين الذين امتنعوا عن دفع الزكاة مع قولهم لا إله إلا الله وإقامتهم للصلاة، ومع هذا قال الخليفة الراشد أبو بكر الصديق رضي الله عنه، (والله لأقاتكن من فرق بين الصلاة والزكاة) [5] وقد ضرب عمر بن الخطاب رضي الله عنه عنق رجل يشهد أن لا إله إلا الله ويظهر الإسلام لأنه لم يرض بحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينكر عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -في معرض استدلاله على كفر سب الرسول صلى الله عليه وسلم- ( ... الدليل الرابع على ذلك أيضًا قوله سبحانه تعالى:(فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) أقسم سبحانه بنفسه أنهم لا يؤمنون حتى يحكموه في الخصومات التي بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم ضيقًا من حكمه بل
(1) النور 2.
(2) المائدة 90.
(3) النور 19.
(4) البقرة 278 - 279.
(5) صحيح البخاري مع الفتح 12/ 244.