سراج الدين وهاجًا ودخل الناس في دين الله أفواجًا. روى البخاري ومسلم وغيرهما عن عائشة رضي الله عنها قالت لمسروق من حدثك أن محمدًا كتم شيئًا مما أنزل الله فقد كذب، والله يقول يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك .. الآية وفي الصحيحين عنها أيضًا أنها قالت لو كان محمدًا صلى الله عليه وسلم كاتمًا شيئًا من القرآن لكتم هذه الآية وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه. وروى البخاري وغيره عن أبي جحيفة قال قلت لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه هل عندكم شيء من الوحي مما ليس في القرآن فقال لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلا فهما يعطيه الله رجلًا من القرآن وما في هذه الصحيفة قلت وما في هذه الصحيفة قال العقل وفكاك الأسير وأن لا يقتل مسلم بكافر وقال البخاري قال الزهري من الله الرسالة وعلى الرسول البلاغ وعلينا التسليم. قال ابن كثير وقد شهدت له صلى الله عليه وسلم أمته بإبلاغ الرسالة وأداء الأمانة واستنطقهم بذلك في أعظم المحافل في خطبته يوم حجة الوداع وقد كان هناك من أصحابه نحو من أربعين ألفًا كما ثبت في صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في خطبته يومئذ أيها الناس إنكم مسؤولون عني فما أنتم قائلون قالوا نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت فجعل يرفع رأسه ويرفع بيده إلى السماء وينكبها إليهم ويقول اللهم هل بلغت .. ا. هـ) [1] . وقد نهج صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم نهجه في تبليغ دين الله والدعوة إليه ومراغمة الجاهلية وأخذهم أنفسهم بالعزائم في أغلب أحيانهم وليس هنا مجال استعراض ذلك وإنما اقتصر على مثالين للدلالة على ذلك.
المثال الأول: قصة أبي بكر الصديق رضي الله عنه فقد روى البخاري في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها قالت لم أعقل أبوي قط إلا وهما يدينان الدين ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفي النهار بكرة وعشية فلما ابتلي المسلمون خرج أبو بكر مهاجرًا قبل الحبشة حتى إذا بلغ برك الغماد لقيه ابن الدغنة وهو سيد القارة فقال أين تريد يا أبا بكر فقال أبو بكر أخرجني قومي فأنا أريد أن أسيح في الأرض فأعبد ربي قال ابن الدغنة إن مثلك لا يخرج ولا يُخرَج فإنك تكسب المعدوم وتصل الرحم وتحمل الكل وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق وأنا لك جار فارجع فاعبد ربك ببلادك فارتحل ابن الدغنة فرجع مع أبي بكر فطاف في أشراف كفار قريش فقال لهم إن أبا بكر لا يَخرُج مثله ولا يُخرَج أتخرجون رجلًا يكسب المعدوم ويصل الرحم ويحمل الكل ويقري الضيف ويعين على نوائب الحق فأنفذت قريش جوار ابن الدغنة وآمنوا أبا بكر وقالوا لابن الدغنة مر أبا بكر فليعبد ربه في داره فليصل وليقرأ ما شاء ولا يؤذينا بذلك ولا يستعلن به فإنه قد خشينا أن يفتن أبناءنا ونساءنا قال ذلك ابن الدغنة لأبي بكر فطفق أبو بكر يعبد ربه في داره ولا يستعلن بالصلاة ولا القراءة في غير داره ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجدًا بفناء داره وبرز فكان يصلي فيه ويقرأن القرآن فيتقصف عليه نساء المشركين وأبناؤهم يعجبون وينظرون إليه وكان أبو بكر رجلًا بكاء لا يملك دمعه حين يقرأ القرآن فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين فأرسلوا إلى ابن الدغنة فقد عليهم فقالوا له إنا كنا أجرنا أبا بكر على أن يعبد ربه في داره وإنه جاوز ذلك فابتنى مسجدًا بفناء داره وأعلن الصلاة والقراءة وقد خشينا أن يفتن أبناءنا ونساءنا فأته فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل وإن أبى إلا أن يعلن ذلك فسله أن يرد عليك ذمتك فإنا كرهنا أن نخفرك ولسنا مقرين لأبي بكر الاستعلان قالت عائشة فأتى ابن الدغنة أبا بكر فقال قد
(1) محاسن التأويل للقاسمي (ص284 - 288) .