أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ) [1] . وقال عز وجل: (فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ، وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ) [2] . وقال: (وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلًا، وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا، إِذًا لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا) [3] .
وقد نفذ رسول الله صلى الله عليه وسلم كل ما أمر به فقرأ على الكفار كتاب الله الذي أوضح شركهم غاية الوضوح وأبطل حججهم غاية البطلان وأبان لهم عقيدة التوحيد (وَكَذَلِكَ نفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ، قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ قُل لاَّ أَتَّبِعُ أَهْوَاءكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ) [4] . وقد راع الكفار هذا الهجوم الصارخ من الله ورسوله على عقيدة الشرك وتعريتها تعرية كاملة فحاولوا جهدهم أن يثنوا الرسول صلى الله عليه وسلم عن ذلك ولكنهم باءوا بالخسران يدل على ذلك قصة عتبة بن أبي ربيعة [5] حيث قال يا معشر قريش ألا أقوم إلى محمد فأكلمه وأعرض عليه أمورًا لعله يقبل بعضها فنعطيه إياها ويكف عنا -وذلك حين أسلم حمزة ورأوا أصحاب رسول الله يزيدون ويكثرون -فقالوا بلى يا أبا الوليد فقم إليه وكلمه فقام عتبة حتى جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا ابن أخي إنك منا حيث قد علمت من الشطر في العشيرة والمكان والنسب وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم ففرقت به جماعتهم وسفهت به أحلامهم وعبت به آلهتهم ودينهم وكفرت به من مضى من آبائهم فاسمع مني حتى أعرض عليك أمورًا تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أبا الوليد أسمع. قال يا ابن أخي إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالًا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالًا وإن كنت تريد به شرفًا سودناك علينا حتى لا نقطع أمرًا دونك وإن كنت تريد به ملكًا ملكناك علينا وإن كان هذا الذي يأتيك رئيًا تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطب وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يتداوى منه أو كما قال له حتى إذا فرغ عتبة قال له النبي صلى الله عليه وسلم أفرغت يا أبا الوليد قال نعم قال اسمع مني قال أفعل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (حم، تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأها فلما سمع بها عتبة أنصت لها وألقى بيديه خلفه أو خلف ظهره معتمدًا عليها ليسمع منه حتى انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السجدة فسجدها ثم قال سمعت يا أبا الوليد قال سمعت قال فأنت وذاك) [6] .
واجتهاد الرسول صلى الله عليه وسلم في الدعوة إلى الله وإبلاغ هذا الدين للبشرية أمر مجمع عليه بين المسلمين. قال القاسمي (لا خفاء في أن النبي صلى الله عليه وسلم قد بلغ البلاغ التام وقام به أتم القيام وثبت في الشدائد وهو مطلوب وصبر على البأساء والضراء وهو مكروب ومحروب وقد لقي بمكة من قريش ما يشيب النواصي ويهد الصياصي وهو مع الضعف يصابر صبر المستعلي ويثبت ثبات المستولي ثم انتصب لجهاد الأعداء وقد أحاطوا بجهاته وأحدقوا بجنباته وصار بإثخانه في الأعداء محذورًا وبالرعب منه منصورًا حتى أصبح
(1) الكافرون: 1 - 2.
(2) القلم: 8 - 9.
(3) الإسراء: 73 - 75.
(4) الأنعام: 55 - 56.
(5) قال الألباني: إن سند هذه القصة حسن. انظر فقه السيرة للغزالي (ص113) .
(6) انظر القصة مستوفاة في البداية والنهاية لابن كثير (3: 63) .