الصفحة 22 من 317

مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [1] . قال الشوكاني في تفسير هذه الآية (وفي هذه الآية دليل على أن الداعي إلى الحق والناهي عن الباطل إذا خشي أن يتسبب عن ذلك ما هو أشهر من انتهاك محرم ومخالفة حق ووقع باطل أشد كان الترك أولى به بل كان واجبًا عليه وما أنفع هذه الآية وأجل فائدتها لمن كان من الحاملين لحجج الله المتصدين لبيانها للناس إذا كان بين قوم من الصم البكم الذين إذا أمرهم بمعروف تركوه وتركوا غيره من المعروف وإذا نهاهم عن منكر فعلوه وفعلوا غيره من المنكرات عنادًا للحق وبغضًا لاتباع المحقين وجراءة على الله سبحانه فإن هؤلاء لا يؤثر فيهم إلا السيف وهو الحكم العدل لمن عاند الشريعة المطهرة وجعل المخالفة لها والتجرؤ على أهلها ديدنه وهجيراه كما يشاهد ذلك في أهل البدع الذين إذا دعوا إلى حق وقعوا في كثير من الباطل وإذا أرشدوا إلى السنة قابلوها بما لديهم من البدعة فهؤلاء هم المتلاعبون بالدين المتهاونون بالشرائع وهم شر من الزنادقة لأنهم يحتجون بالباطل وينتمون إلى البدع ويظهرون بذلك غير خائفين ولا وجلين والزنادقة قد ألجمتهم سيوف الإسلام وتحاماهم أهله وقد ينفق كيدهم ويتم باطلهم وكفرهم نادرًا على ضعيف من ضعفاء المسلمين مع تكتم وتحرز وخيفة ووجل. وقد ذهب جمهور أهل العلم إلى أن هذه الآية محكمة ثابتة غير منسوخة وهي أصل أصيل في سد الذرائع وقطع التطرق إلى الشبه) [2] .

قلت وسب الآلهة المنهي عنه في هذه الآية الكريمة ليس هو بيان بطلان عبادتها قطعًا وذلك أن بيان أن الآلهة المدعاة مع الله لا تضر ولا تنفع ولا تجوز عبادتها هو عين التوحيد ولا يتم التوحيد إلا بصرف جميع العبادة لله والكفر بما يعبد من دون الله. قال تعالى: (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) [3] . والقرآن كله مليء بالتحذير من عبادة غير الله وبيان بطلان ذلك وإن سماه المشركون سبًا فهو في الحقيقة ليس سبًا. قال الحاكم (نهوا عن سب الأصنام لوجهين: أحدهما أنها جماد لا ذنب لها. والثاني أن ذلك يؤدي إلى المعصية بسب الله تعالى والذي يجب علينا بغضها وأنه لا تجوز عبادتها وأنها لا تضر ولا تنفع وأنها لا تستحق العبادة وهذا ليس بسب) [4] .

ولقد بلغ رسول صلى الله عليه وسلم الحق كاملًا كما أراده الله كما مر معنا من جمعه صلى الله عليه وسلم لبطون قريش وإعلان التوحيد والرسالة عليهم وتخويفهم بعذاب الله يوم القيامة. يقول ابن كثير (والمقصود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استمر يدعو إلى الله تعالى ليلًا ونهارًا وسرًا وجهارًا لا يصرفه عن ذلك صارف ولا يرده عن ذلك راد ولا يصده عن ذلك صاد ويتبع الناس في أنديتهم ومجامعهم ومحافلهم وفي المواسم ومواقف الحج يدعو من لقيه من حر وعبد وضعيف وقوي وغني وفقير جميع الخلق في ذلك عنده شرع سواء) [5] . وقد أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بإعلان المفاصلة مع الجاهلية وعدم مداهنتها قال تعالى: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، لَا

(1) الأنعام: 108.

(2) فتح القدير للشوكاني (2: 150) .

(3) البقرة: 256.

(4) محاسن التأويل للقاسمي (6: 679) .

(5) البداية والنهاية لابن كثير (3: 40) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت