الصفحة 21 من 317

هذا هدي الرسول صلى الله عليه وسلم في الإسرار والجهر بالإسلام والدعوة إليه؛ يسر أحيانًا ويجهر أحيانًا حسبما تقتضيه المصلحة الشرعية، وليست المرحلة السرية منسوخة بعد الأمر من الله بالصدع والإنذار بل حكمها باق كلما احتاج المسلمون إلى ذلك؛ كأن يكونوا في حالة مشابهة لحالة الجاهلية الأولى التي بعث فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم. والدليل على ذلك فعل الرسول صلى الله عليه وسلم في حوادث كثيرة؛ فقد أمر صلى الله عليه وسلم أبا ذر بكتم إسلامه كما في صحيح البخاري عندما خاف عليه من قريش [1] . وإسلام أبي ذر متأخر إذ كان بعد أن أعلن صلى الله عليه وسلم بدعوته وصدع بها؛ يدل على ذلك ما جاء في بعض روايات البخاري وهي رواية عبد الله بن الصامت إذ قال الرسول صلى الله عليه وسلم لأبي ذر إنه قد وجهت لي أرض ذات نخل فهل أنت مبلغ عني قومك عسى الله أن ينفعهم بك) [2] . ولكن أبا ذر رضي الله عنه لم يكتم إسلامه كما أمر بل قال والذي نفسي بيده لأصرخن بها بين ظهرانيهم. يقول ابن حجر في شرحه لهذا الحديث وكأنه فهم أن أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالكتمان ليس على الإيجاب بل على سبيل الشفقة عليه فأعلمه أن به قوة على ذلك ولهذا أقره النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك ويؤخذ منه جواز قول الحق عند من يخشى منه الأذية لمن قاله وإن كان السكوت حائزًا والتحقيق أن ذلك مختلف باختلاف الأحوال والمقاصد وبحسب ذلك يترتب وجود الأجر وعدمه) [3] .

وهذا الذي ذكره ابن حجر هو الحق الذي لا مرية فيه فإن الجهر أحيانًا يكون محرمًا وذلك إذا ترتب عليه مفسدة محضة كأن تستأصل شأفة المسلمين بسببه من غير فائدة ترجع على الإسلام والمسلمين والإسرار أحيانًا يكون محرمًا وذلك إذا ترتب عيه مفسدة محضة كأن ينتشر الكفر وينخفض الإسلام ولم يكن هناك مانع شرعي من إظهار الدعوة إلى الإسلام. يقول ابن تيمية: (وجماع ذلك داخل في القاعدة العامة فيما إذا تعارضت المصالح والمفاسد والحسنات والسيئات أو تزاحمت فإنه يجب ترجيح الراجح منها فيما إذا تزاحمت المصالح والمفاسد وتعارضت المصالح والمفاسد فإن الأمر والنهي وإن كان متضمنًا لتحصيل مصلحة ودفع مفسدة فينظر في المعارض له فإن كان الذي يفوت من المصالح أو يحصل من المفاسد أكثر لم يكن مأمورًا به بل يكون محرمًا إذا كانت مفسدته أكثر من مصلحته لكن اعتبار مقادير المصالح والمفاسد هو بميزان الشريعة. فمتى قدر الإنسان على اتباع النصوص لم يعدل عنها وإلا اجتهد برأيه لمعرفة الأشباه والنظائر. وقل أن تعوز النصوص من يكون خبيرًا بها وبدلالتها على الأحكام) [4] . وكون السرية في الدعوة إلى الله تجب أحيانًا لا يدل على أنها مساوية للجهر بالحق والصدع به وإقامة الحجة على الناس بل الأصل هو الجهر بالإسلام والدعوة إليه كما أسلفت وإنما تجب السرية لضرورة من الضرورات.

ومن هذا الباب ترك سب آلهة المشركين إذا ترتب على ذلك سب الله تعالى كما قال سبحانه (وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّوا اللّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم

(1) انظر الصحيح مع الفتح (7: 134) .

(2) المصدر السابق.

(3) فتح الباري (7: 134) .

(4) الحسبة في الإسلام لابن تيمية (ص77 - 78) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت