هنا مصلحة حفظ النفس لأن المصلحة المقابلة وهي مصلحة حفظ الدين موهومة أو منفية الوقوع ويقرر العز بن عبد السلام حرمة الخوض في مثل هذا الجهاد قائلًا"فإذا لم تحصل النكاية وجب الانهزام لما في الثبوت من فوات النفس مع شفاء صدور الكفار وإرغام أهل الإسلام وقد صار الثبوت هنا مفسدة محضة ليس في طيها مصلحة) قلت -القائل هو البوطي- وتقديم مصلحة النفس هنا من حيث الظاهر فقط أما من حيث حقيقة الأمر ومرماه البعيد فإنها في الواقع مصلحة دين إذ المصلحة الدينية تقتضي في مثل هذه الحال أن تبقى أرواح المسلمين سليمة لكي يتقدموا ويجاهدوا في الميادين المفتوحة الأخرى وإلا فإن إهلاكهم يعتبر إضرارًا بالدين نفسه وفسحًا للمجال أمام الكافرين ليقتحموا ما كان مسدودا أمامهم من السبل. والخلاصة أنه يجب المسالمة أو الإسرار بالدعوة إذا كان الجهر أو القتال يضر بها ولا يجوز الإسرار في الدعوة إذا أمكن الجهر بها وكان ذلك مفيدًا) [1] ا-هـ."
وإذا كان الجهر بالإسلام والدعوة إليه مرحلة حتمية في خط سير الدعوة فإن الأصل في إعداد العدة ورسم الخطط لإزالة الجاهلية أن يكون سرًا إلا أن تقتضي المصلحة الشرعية غير ذلك.
وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم مليئة بالأدلة على كتمان تحركاته بأبي هو وأمي إذا كانت المصلحة الشرعية في الكتمان كما صنع صلى الله عليه وسلم في هجرته. روى البخاري في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها قال: (فبينما نحن يومًا جلوس في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة قال قائل لأبي بكر هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم متقنعاَ في ساعة لم يكن يأتينا فيها فقال أبو بكر فداه أبي وأمي والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر قالت فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأذن فأذن له فدخل فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر أخْرِج من عندك فقال أبو بكر إنما هم أهلك بأبي أنت يا رسول الله قال فإني قد أذن لي في الخروج فقال أبو بكر الصحابة بأبي أنت يا رسول الله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم قال أبو بكر فخذ بأبي أنت يا رسول الله إحدى راحلتي هاتين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بالثمن قالت عائشة فجهزناهما أحثّ الجهاز وصنعنا لهما سفرة في جراب فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها فربطت به على فم الجراب فبذلك سميت ذات النطاق قالت ثم لحق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر بغار في جبل ثور فكنا فيه ثلاث ليال يبيت في الغار عبد الله بن أبي بكر وهو غلام شاب ثقف لقن فيدلج من عندهم بسحر فيصبح مع قريش بمكة كبائت فلا يسمع أمرًا يكتادان به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام ... الحديث) [2] . فهل بعد هذا الإجراء من الرسول صلى الله عليه وسلم المعصوم المؤيد من الله إجراء في السرية والتكتم عندما تدعو الحاجة. وقد روى البخاري في صحيحه أيضًا أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال لسراقة لما لحقهم في سفر الهجرة (اخف عنا) [3] وصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيعة العقبة خرجوا إلى ميعادهم مع رسول الله يتسللون تسلل القطا وكتموا أمرهم على قومهم وعلى قريش لما سألتهم عن ذلك وأقرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم [4] .
(1) فقه السيرة للبوطي (ص77) .
(2) صحيح البخاري مع الفتح (7: 183 - 185) .
(3) صحيح البخاري مع الفتح (7: 188) .
(4) انظر مسند أحمد بن حنبل (3: 461) .