الصفحة 19 من 317

الدالة على ذلك في صحيح البخاري كما تقدم وقد درج عموم أهل السير على ذكر مرحلة الدعوة السرية بما فيهم من غلبت على سيرهم الدقة والتحري كالحافظ ابن القيم فإنه قال (وأقام صلى الله عليه وسلم بعد ذلك ثلاث سنين يدعو إلى الله سبحانه مستخفيًا) [1] وكالشيخ محمد بن عبد الوهاب فقد ذكر هذه المرحلة مستندًا على حديث رواه الترمذي. قال الترمذي حدثني محمد بن صالح عن عاصم بن عمرو بن قتادة ويزيد بن رومان وغيرهم قالوا أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ثلاثة سنين مستخفيًا ثم أعلن في الرابعة [2] . وبعد هذه المرحلة من مراحل الدعوة التي استمرت ثلاث سنوات أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يصدع بالحق ويظهر الدعوة وينذر عشيرته قال تعالى: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ، إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ) [3] . وقال تعالى: (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) [4] . وأخرج البخاري في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (لما نزلت وأنذر عشيرتك الأقربين صعد النبي صلى الله عليه وسلم على الصفا فجعل يقول يا بني فهر يا بني عدي لبطون قريش حتى اجتمعوا فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولًا لينظر ما فهو فجاء أبو لهب وقريش فقال أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلًا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي. قالوا نعم ما جربنا عليك إلا صدقًا قال فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد فقال أبو لهب تبًا لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا فنزلت تبت يدا أبي لهب وتب ما أغنى عنه ماله وما كسب) [5] . وباستقراء نصوص السيرة ودعوة الأنبياء التي قص الله في القرآن الكريم يظهر لي أن الجهر بالدعوة إلى الله حتى يسمعها القاصي والداني والقريب والبعيد وحتى يعلو صوت الحق هو الأصل في الدعوة إلى الله تعالى كما قال سبحانه (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ ... الآية) [6] . وكل الرسل الذين قص الله علينا أخبارهم في القرآن قالوا لقومهم جهرة اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئًا قال تعالى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) [7] . وقال تعالى -بعد أن ذكر محاجة إبراهيم عليه السلام لقومه وإقامته الحجة عليهم وذكر سيرة جمع من رسل الله مع قومهم- (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ... ) [8] الآية.

لكن إذا غلب على ظن الداعي إلى الله أن دعوته تجتث من أساسها بسبب الجهر بها أو خاف أن يناله أذى محقق لا يقدر على تحمله فعليه أن يسر بها اقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم في مرحلة الدعوة الأولى؛ يقول البوطي (ومن أجل هذا أجمع جمهور الفقهاء على أن المسلمين إذا كانوا من قلة العدد أو ضعف العدة بحيث يغلب على الظن أنهم سيقتلون من غير أي نكاية في أعدائهم إذا ما أجمعوا قتالهم فينبغي أن تقدم

(1) زاد المعاد (1: 38) .

(2) مختصر السيرة لمحمد بن عبد الوهاب (ص60) .

(3) الحجر: 94 - 95.

(4) الشعراء: 214.

(5) صحيح البخاري مع الفتح (8: 386) .

(6) الممتحنة: 4.

(7) النحل: 36.

(8) الأنعام: 90.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت