الصفحة 18 من 317

صحيحه معلقًا بصيغة الجزم من قول الرسول صلى الله عليه وسلم للمقداد (فكذلك كنت أنت تخفي إيمانك بمكة من قبل) [1] وكذلك ما فعله نعيم بن مسعود الأشجعي رضي الله عنه لما أسلم في غزوة الأحزاب فكتم إيمانه على الأحزاب حتى أوقع بينهم الشقاق والاختلاف [2] وكذلك الحجاج بن علاط السلمي رضي الله عنه فإنه كتم إسلامه على أهل مكة واستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكذب على أهل مكة وقال لهم بأن محمدًا هزم في خيبر حتى جمع أمواله التي كانت بمكة [3] كل هذه الأخبار الصحاح تدل على جواز كتمان الإسلام لغرض شرعي.

الصورة الثالثة: أن يسر المسلم بالدعوة إلى الله تعالى إذا خاف على نفسه أو خاف على أتباعه من المسلمين وهم قلة والدليل على ذلك فعل الرسول صلى الله عليه وسلم في بداية الدعوة بمكة. قال الحافظ أبو نعيم: (وكان صلى الله عليه وسلم فيما قاله عروة بن الزبير وابن شهاب ومحمد بن إسحاق من حين أنزل عليه اقرأ باسم ربك الذي خلق إلى أن كلف الدعوة وإظهارها فيما أنزل عليه فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين وأنذر عشيرتك الأقربين وقل إني أنا النذير المبين ثلاث سنوات لا يظهر الدعوة إلا للمختصين به) [4] . وقال عمرو بن عبسة رضي الله عنه (أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أول ما بعث وهو يومئذ مستخف فقلت أنت ما أنت قال أنا نبي قلت وما نبي قال رسول الله قلت الله أرسلك قال نعم قلت بم أرسلك قال بأن يعبدوا الله ويكسروا الأوثان ويصلوا الأرحام قلت نعما أرسلك فمن اتبعك على هذا قال حر وعبد يعني أبا بكر وبلالًا فكان عمرو بن عبسة يقول لقد رأيتني وأنا ربع الإسلام فأسلمت ثم قلت اتبعك يا رسول الله قال لا ولكن الحق بأرض قومك فإذا ظهرت فأتني) [5] . وروى البخاري في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها قال نزلت ورسول الله صلى الله عليه وسلم مختف بمكة .. الحديث. قال ابن حجر يعني في أول الإسلام [6] . وروى ابن سعد بسنده عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه قال أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصدع بما جاء من عند الله وأن ينادي الناس بأمره وأن يدعوهم إلى الله فكان يدعو من أول ما نزلت عليه النبوة ثلاث سنين مستخفيًا إلى أن أمر بظهور الدعاء [7] . وقال ابن مسعود رضي الله عنه ما زال النبي صلى الله عليه وسلم مستخفيًا حتى نزلت (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ) فخرج هو وأصحابه [8] .

وقد استطردت في ذكر النصوص الدالة على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخفي دعوته في بداية أمره لما سمعته من بعض الدعاة بأن مرحلة الدعوة السرية لم يكن لها أدلة صحيحة وهذا وهم كبير فإن بعض الأحاديث

(1) صحيح البخاري مع الفتح (12: 168) .

(2) انظر قصته في فتح الباري لابن حجر (7: 309) .

(3) زاد المعاد لابن القيم (3: 339) وقال شعيب الأرناؤوط وعبد القادر الأرناؤوط عن قصة الحجاج إن سندها صحيح.

(4) دلائل النبوة لأبي نعيم (ص219) .

(5) رواه الحاكم في المستدرك (3: 617) وقال صحيح على شرط البخاري ومسلم ولم يخرجاه وقال الذهبي صحيح. وقارن بما في مسند أحمد (4: 111) .

(6) صحيح البخاري مع الفتح (8: 307) .

(7) الطبقات لابن سعد (1: 199) .

(8) تفسير ابن كثير 4/ 469.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت