اصبري فإنك على الحق [1] وقد ضرب صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أروع الأمثلة في الثبات على الإسلام والاستخفاف بكيد الطغاة وسأقتصر على ذكر مثالين يبينان قوة إيمان الصحابة وأخذهم بالعزيمة في حال الشدائد رغبة فيما عند الله والدار الآخرة.
المثال الأول: قصة حبيب بن زيد الأنصاري رضي الله عنه فإنه لما قال له مسيلمة الكذاب -لعنه الله- أتشهد أن محمدًا رسول الله قال نعم قال أتشهد أني رسول الله قال لا أسمع فلم يزل يقطعه إربًا إربًا وهو ثابت على ذلك رحمه الله رحمة واسعة [2] .
المثال الثاني: قصة عبد الله بن حذافة السهمي فإنه لما أسرته الروم جاءوا به إلى ملكهم فقال له تنصر وأنا أشركك في ملكي وأزوجك ابنتي فقال له لو أعطيتني جميع ما تملك وجميع ما تملكه العرب على أن أرجع عن دين محمد صلى الله عليه وسلم طرفة عين ما فعلت فقال إذًا أقتلك قال أنت وذاك فأمر به فصلب وأمر الرماة فرموه قريبًا من يديه ورجليه وهو يعرض عليه دين النصرانية فيأبى ثم أمر به فأنزل ثم أمر بقدر وفي رواية ببقرة من نحاس فأحميت وجاء بأسير من المسلمين فألقاه وهو ينظر فإذا هو عظام تلوح وعرض عليه فأبى فأمر به أن يلقى فيها فرفع في البكرة ليلقى فيها فبكى فطمع فيه ودعاه فقال له إني إنما بكيت لأن نفسي إنما هي نفس واحدة تلقى في هذه القدر الساعة في الله فأحببت أن يكون لي بعدد كل شعرة في جسدي نفس تعذب هذا العذاب في الله فقال له الملك فقبل رأسي وأنا أطلقك فقال وتطلق جميع أسارى المسلمين؟ قال نعم فقبل رأسه فأطلقه وأطلق معه جميع أسارى المسلمين عنده فلما رجع قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه حق على كل مسلم أن يقبل رأس عبد الله بن حذافة وأنا أبدأ فقام فقبل رأسه) [3] .
الصورة الثانية: أن يسر المسلم بإسلامه ولكنه لا يأتي شيئًا من أمور الشرك وعبادات المشركين وطقوسهم. ويباح للمسلم أن يكتم إسلامه إذا خاف أو كان هناك مصلحة شرعية في كتم إسلامه والأدلة على هذه الصورة كثيرة جدًا منها قصة مؤمن آل فرعون فقد ذكرها الله في مقام الثناء عليه لما دافع عن موسى عليه السلام وقد سماه الله مؤمنًا مع كتمه لإيمانه قال تعالى: (وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ .. ) [4] الآية. قال ابن العربي: ( .. إذا نوى الإيمان بقلبه فلا يكون مؤمنًا حتى يتلفظ بلسانه ولا تمنعه التقية والخوف من أن يتلفظ بلسانه فيما بينه وبين الله تعالى إنما تمنعه التقية من أن يسمعه غيره وليس من شرط الإيمان أن يسمعه الغير .. ) [5] . ومن الأدلة أيضًا ما رواه البخاري في صحيحه في قصة إسلام أبي ذر رضي الله عنه حيث قال له الرسول صلى الله عليه وسلم في رواية ابن قتيبة (أكتم هذا الأمر وارجع إلى قومك) [6] وكذلك ما رواه البخاري في
(1) انظر قصة أصحاب الأدود بتمامها في صحيح مسلم بشرح النووي (18: 130) وتفسير ابن كثير (8: 388) . ومسند أحمد 6/ 17.
(2) انظر قصته في تفسير ابن كثير (4: 525) ، والإصابة لابن حجر (1: 307) .
(3) انظر تفسير ابن كثير (4: 526) ، والإصابة لابن حجر (2: 297) .
(4) غافر: 28.
(5) أحكام القرآن لابن العربي (4: 1659) وفي النص تصحيف صححته من أحكام القرآن للقرطبي (15: 308) .
(6) صحيح البخاري مع الفتح (7: 134) .