الإسرار بالإسلام يشتمل على ثلاث صور:
الصورة الأولى: أن يسر الشخص بالإسلام خوفًا من الكفار ويأتي شعائر الكفار الخاصة بهم من عبادات وطقوس تقية. وهذه الصورة لا يحل أن يفعلها المسلم إلا في حالة واحدة وهي حالة الإكراه الملجئ قال الله تعالى: ( ... مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) [1] . قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: ( ... اتفق العلماء على أنه يجوز أن يوالي المكره على الكفر إبقاء لمهجته) [2] . وقال الشوكاني ( ... وإنما صح استثناء المكره من الكافر مع أنه ليس بكافر لأنه ظهر منه بعد الإيمان ما لا يظهر إلا من الكافر لولا الإكراه. قال القرطبي أجمع أهل العلم على أن من أكره على الكفر حتى خشي على نفسه القتل أنه لا إثم عليه إن كفر وقلبه مطمئن بالإيمان ولا تبين منه زوجته ولا يحكم عليه بحكم الكفر، وحكي عن محمد بن الحسن أنه إذا أظهر الكفر كان مرتدًا في الظاهر وفيما بينه وبين الله على الإسلام وتبين منه امرأته ولا يصلى عليه إن مات ولا يرث أباه إن مات مسلمًا وهذا القول مردود على قائله مدفوع بالكتاب والسنة. وذهب الحسن البصري والأوزاعي والشافعي وسحنون إلى أن هذه الرخصة المذكورة في هذه الآية إنما جاءت في القول وأما في الفعل فلا رخصة مثل أن يكره على السجود لغير الله ويدفعه ظاهر الآية فإنها عامة فيمن أكره من غير فرق بين القول والفعل ولا دليل لهؤلاء القاصرين للآية على القول وخصوص السبب لا اعتبار له مع عموم اللفظ كما تقرر في علم الأصول. ا. هـ) [3] . وإذا كان يباح للمسلم التظاهر بالكفر في حال الإكراه الملجئ مع اطمئنان قلبه بالإيمان فإن الثبات على الإسلام حتى يقتل عليه أفضل وأعظم أجرًا؛ قال ابن بطال (أجمعوا على أن من أكره على الكفر واختار القتل أنه أعظم أجرًا عند الله ممن اختار الرخصة) [4] . وقد بوب على ذلك الإمام البخاري بابًا بعنوان (من اختار الضرب والقتل والهوان على الكفر) وأورد فيه جملة أحاديث منها حديث خباب بن الارت قال: (شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة فقلنا ألا تستنصر لنا ألا تدعو لنا فقال قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ويمشط بأمشاط الحديد من دون لحمه وعظمه فما يصده ذلك عن دينه .. الحديث) [5] .
وقد أثنى الله على أصحاب الأخدود لما صبروا على دينهم حتى هلكوا عليه بل إن إحدى نسائهم لما تقاعست عن الوقوع في النار التي أضرمها لهم الملك الكافر أنطق الله صبيها الذي ترضعه فقال يا أمّه
(1) النحل: 106.
(2) تفسير ابن كثير (4: 525) .
(3) فتح القدير للشوكاني (3: 197) .
(4) فتح الباري لابن حجر (12: 282) .
(5) صحيح البخاري مع الفتح (12: 281) .