بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ) وهذا هو الشرك فكل معبود رب وكل مطاع ومتبع على غير ما شرعه الله ورسوله فقد اتخذه المطيع المتبع ربًا ومعبودًا كما قال تعالى: (وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) [الأنعام: 121] [1] .
ويقول الله عن أهل الكتاب (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاء أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا) [2] وكما كان في مشركي العرب من يشرع من عند نفسه ثم يقول زورًا وبهتانًا هذا من عند الله كذلك وجد في أهل الكتاب من يفعل ذلك (فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ) [3] . ولا نطيل بذكر أوصاف الجاهليات المحيطة بجاهلية العرب فإن الجاهليات مهما اختلفت معبوداتها وأمكنتها وأزمنتها تتشابه إلى حد كبير كما قال الله تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ لَوْلاَ يُكَلِّمُنَا اللّهُ أَوْ تَاتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) [4] . ومرجع هذا التشابه أن الجاهليات مهما اختلفت صورها فلا بد أن تشرك مع الله غيره في شيء من خصائصه التي لا تجوز إلا له سبحانه كالطاعة المطلقة والتشريع وعلم الغيب والرزق والإحياء والإماتة والنفع والضر والحب والتعظيم والخضوع والتذلل والخوف والرجاء والدعاء والاستغاثة والذبح والنذر والسجود والركوع والتحاكم إلى غير ذلك من الأمور التي إذا صرفت أو أقر بها العبد لغير الله أشرك معه غيره وإذا أشرك شخص أو قبيلة أو أمة بأي نوع من أنواع الشرك المخرج من الملة صاروا في جاهلية.
وقد بعث الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الثقلين وسائر المعمورة أحوج ما تكون إلى هديه ورسالته إذ لا يوجد فيها دولة أو أمة مؤسسة على توحيد الله عز وجل كما جاء في الحديث الصحيح ( ... وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب وقال إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك .. الحديث) [5] .
ولننظر الآن في الفصول الآتية كيف بدأ الرسول صلى الله عليه وسلم دعوته وما هو المنهج الذي سلكه في إخراج العباد من عبادة الأرباب إلى عبادة الواحد القهار وفي إخراج الناس من ظلام الشرك إلى نور الإسلام.
(1) فتح المجيد شرح كتاب التوحيد (ص85 - 86) .
(2) النساء: 51.
(3) البقرة: 79.
(4) البقرة: 118.
(5) صحيح مسلم مع النووي (17: 197) .