بالذي يرون فالتاط [1] به ودعي ابنه لا يمتنع من ذلك فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم بالحق هدم نكاح الجاهلية كله إلا نكاح الناس اليوم) [2] .
هذه حال معظم عرب الجزيرة -حين بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم- في العقائد والأخلاق. ولم يكن أهل الكتاب بأحسن حالًا منهم. فهم لا يؤمنون بوحدانية الله تعالى؛ قال الله عنهم (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) [3] . (لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَآلُوا إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاء اللّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم ... ) الآية [4] (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَاوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ، لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [5] . وكما وافق اليهود والنصارى مشركي العرب في عدم الاعتراف بوحدانية الله عز وجل على ما يليق بجلاله وكماله وافقوهم في التشريع من دون الله فنصبوا لأنفسهم أربابًا تحل وتحرم بغير إذن من الله. قال تعالى: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) [6] قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن في تفسير هذه الآية:"... الأحبار هم العلماء والرهبان هم العباد وهذه الآية قد فسرها رسول الله صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم وذلك أنه لما جاء مسلمًا دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ عليه هذه الآية قال فقلت: إنهم لم يعبدوهم فقال: بلى إنهم حرموا عليهم الحلال وحللوا لهم الحرام فاتبعوهم فذلك عبادتهم إياهم. رواه أحمد والترمذي وحسنه وعبد بن حميد وابن أبي حاتم والطبراني من طرق. قال السدي استنصحوا الرجال ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم ولهذا قال تعالى: (وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) . فإن الحلال ما أحله الله والحرام ما حرم الله والدين ما شرعه الله فظهر بهذا أن الآية دلت على أن من أطاع غير الله ورسوله وأعرض عن الأخذ بالكتاب والسنة في تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحله الله وأطاعه في معصية الله واتبعه فيما لم يأذن به الله فقد اتخذه ربًا معبودًا وجعله لله شريكًا وذلك ينافي التوحيد الذي هو دين الله الذي دلت عليه كلمة الإخلاص لا إله إلا الله فإن الإله هو المعبود وقد سمى الله تعالى طاعتهم عبادة لهم وسماهم أربابًا كما قال تعالى: (وَلاَ يَامُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُوا الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَابًا .. ) الآية. [آ عمران: 80] أي شركاء لله تعالى في العبادة (أَيَامُرُكُم بِالْكُفْرِ"
(1) التاط يعني التصق.
(2) صحيح البخاري (6: 133) .
(3) التوبة: 30.
(4) المائدة: 17 - 18.
(5) المائدة: 72 - 73.
(6) التوبة: 31.