خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلاَدَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللّهُ افْتِرَاء عَلَى اللّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ) [1] .
ويبلغ السخف أحيانًا بالجاهلين منتهاه حينما ينسبون تشريعاتهم وما يرتكبونه من فواحش إلى الله عز وجل (وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءنَا وَاللّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَامُرُ بِالْفَحْشَاء أَتَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ) [2] وقد كانت جل تصرفات الجاهلية في منتهى الخسة والسفول وذلك أن قاعدة العبودية عندها غير صحيحة فهي تتوجه بالشعائر التعبدية إلى أرباب مختلفة وتستمد الشرائع والعقائد والأحكام والمفاهيم من أرباب كثيرين وتحتكم إلى الطاغوت والهوى والشيطان. يقول الأستاذ محمد قطب (لقد كانت تستعبدهم في الحقيقة أرباب أربعة أو فئات أربع من الأرباب في آن واحد. ربوبية الأصنام المعبودة والجن والملائكة وغيرها من المعبودات التي يعبدونها لتقربهم إلى الله زلفى أو لتشفع لهم عند الله. وربوبية القبيلة. وربوبية العرف الموروث عن الآباء والأجداد. وربوبية الهوى والشهوات وهذا كله مع ادعاء العبادة نظريًا لله والمعرفة النظرية بأنه خالقهم وخالق الكون والحياة) [3] .
وقد وصف الجاهلية التي بعث فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل عاش فيها فترة من حياته وهو جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه فقال في خطابه لملك الحبشة: ( .. أيها الملك كنا قومًا أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام ونسيء الجوار يأكل القوي منا الضعيف) [4] وتقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها -في وصف نكاح الجاهلية- (إن النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء. فنكاح منها نكاح الناس اليوم يخطب الرجل إلى الرجل وليته أو بنته فيصدقها ثم ينكحها. ونكاح آخر كان الرجل يقول لامرأته إذا طهرت من طمثها أرسلي إلى فلان فاستبضعي منه ويعتزلها زوجها ولا يمسها أبدًا حتى يتبين حملها من ذلك الرجل الذي تستبضع منه فإذا تبين حملها أصابها زوجها إذا أحب وإنما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد فكان هذا النكاح نكاح الاستبضاع ونكاح آخر يجتمع الرهط ما دون العشرة فيدخلون على المرأة كلهم يصيبها فإذا حملت ووضعت ومر ليالي بعد أن تضع حملها أرسلت إليهم فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع حتى يجتمعوا عندها تقول لهم قد عرفتم الذي كان من أمركم وقد ولدت فهو ابنك يا فلان تسمي من أحبت باسمه فيلحق به ولدها لا يستطيع أن يمتنع منه الرجل ونكاح الرابع يجتمع الناس الكثير فيدخلون على المرأة لا تمتنع ممن جاءها وهن البغايا كن ينصبن على أبوابهن رايات تكون علمًا فمن أرادهن دخل عليهن فإذا حملت إحداهن ووضعت حملها جمعوا لها ودعوا لهم القافة ثم ألحقوا ولدها
(1) الأنعام: 136 - 140.
(2) الأعراف: 28.
(3) منهج التربية لمحمد قطب (2: 23) .
(4) الفتح الرباني للبنا (20: 226) قال البنا في تخريجه، الحديث صحيح ورواه ابن هشام في سيرته بطوله عن ابن إسحاق، وأورده الهيثمي وقال رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير ابن إسحاق وقد صرح بالسماع.