الإسلام والمسلمين من العملاء الحقيقيين وذلك لانخداع الناس بهم ولظهور نزاهتهم عن العمالة مع العلم بأنهم يؤدون ما يؤديه العميل وزيادة.
ومما ساعد المستعمر على بلوغ أهدافه في العالم الإسلامي برامج التغريب التي صبت عليه صبًا مدعومة بوسائل الإعلام وبالحكومات وبرجال الفكر والصحافة إلا من عصمه الله من الزيغ. يقول الدكتور محمد محمد حسين: وبرامج التغريب تحاول أن تخدم هدفًا مزدوجًا فهي تحرس مصالح الاستعمار بتقريب الهوة التي تفصل بينه وبين المسلمين نتيجة لاختلاف القيم ونتيجة للمرارة التي يحسها المسلم إزاء المحتلين لبلاده ممن يفرض عليه دينهم جهادهم وهي في الوقت نفسه تضعف الرابطة الدينية التي تجمع المسلمين وتفرق جماعتهم التي كانت تلتقي على وحدة القيم الفكرية والثقافية أو بتعبير أشمل وحدة القيم الحضارية فيستطيع الاستعمار أن ينفرد بكل بلد على حدة وأن يتفرغ لمواجهة ما عساه ينشأ من ثورات وظهره آمن من ثورات المناطق الإسلامية الأخرى في مستعمراته التي قد تهب لمساندتها، وقد لاحظ كرومر وجود هذا الخلاف الشديد بين المسلمين وبين المستعمر الغربي في العقائد وفي القيم وفي التقاليد والعادات وفي اللغة وفي الفن وفي الموسيقى وذلك في فصل طويل عقده في كتابه الذي ألفه عقب مغادرته لمصر بعد أن وصع أساس السياسة الإنجليزية وأشرف على تنفيذها مدة تقرب من ربع قرن. لاحظ كرومر في هذا الفصل أن هذه الخلافات هي السبب في انعدام ثقة المسلم بالمستعمر الأوروبي وسوء ظنه به وهي السبب في وجود هوة واسعة تفصل بينهما وتجعل مهمة المستعمر محفوفة بالمتاعب ودعا من أجل ذلك إلى العمل بمختلف الوسائل على بناء قنطرة فوق هذه الهوة وقد اتخذت هذه الوسائل طريقين:
أحدهما هو تربية جيل من المصريين العصريين الذين ينشؤون تنشئة خاصة تقربهم من الأوروبيين ومن الإنجليز على وجه الخصوص في طرائق السلوك والتفكير ومن أجل ذلك أنشأ كرومر (كلية فكتوريا) التي قصد بها تربية جيل من أبناء الحكام والزعماء والوجهاء في محيط إنجليزي ليكونوا من بعدهم أدوات المستعمر الغربي في إدارة شؤون المسلمين وليكونوا في الوقت نفسه على مضي الوقت أدواته في التقريب بين المسلمين وبين المستعمر الأوروبي وفي نشر الحضارة الغربية ...
أما الوسيلة الأخرى التي اتخذها الاستعمار لإيجاد هذا التفاهم المفقود وعمل على تنفيذها فهي أبطأ ثمارًا من الوسيلة الأولى ولكنها أبقى آثارًا كما لاحظ اللورد لويد وهي تتلخص في تطوير الإسلام نفسه وإعادة تفسيره بحيث يبدو متفقًا مع الحضارة الغربية أو قريب منها وغير متعارض معها على الأقل بدل أن يبدو عدوًا لها أو معارضًا لقيمها وأساليبها. إلى جانب هذين المنهجين وجد منهج ثالث في بلاد العرب بخاصة لم يعمل عملًا مباشرًا في صلات الإسلام بالحضارة الغربية ولكنه ترك أثرًا غير مباشر في توجيهها وهذا المنهج الثالث والعنصر الجديد ممثل في نصارى العرب ونصارى الشام منهم على وجه الخصوص ... كانت آمال هذا الفريق من نصارى العرب تتعلق بالعلمانية الغربية التي تقوم على الفصل بين الدين والدولة والتي لا يتحكم فيها الإسلام في التنظيم السياسي والاجتماعي والتي يزول معها إحساس المسلمين بالاعتزاز وإحساس النصارى بالذلة والانكسار الذي يخالط مشاعر الأقليات في أكثر الأحيان) [1] . كل الجبهات الثلاث المتقدمة -التي يحاربنا الكفار عن طريقها- متضافرة ساعدت على إماتة الروح الجهادية في الأمة المسلمة وصرفتها عن عقيدتها الصافية وجعلت المسلمين تلتبس عليهم
(1) الإسلام والحضارة الغربية لمحمد حسين ص45 - 48.