الصفحة 162 من 317

نظام أرضه تبعًا لقوانينهم الوضعية ويملؤوا أرضه ظلمًا وفسادًا فهو لأجل هذا إذ ينهى المؤمنين بقانونه الشرعي عن إكراه الكفار على الإيمان بدين الحق يأمرهم ببذل كل جهودهم لمحو فتنة ناتجة عن غلبة الكفر والكفار حتى يقوم نظام أرضه على دينه وحده ويعيش فيها الذين لا يؤمنون بدينه صاغرين لا كابرين حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) [1] وبما قدمناه من مراحل اليهود وأهدافه وأثره في نشر الدعوة الإسلامية يظهر لنا منهج الرسول صلى الله عليه وسلم في الدعوة إلى الله بعد تشريع الجهاد القتالي؛ فهي دعوة مقرونة بالسيف المنفذ فقد كان صلى الله عليه وسلم يرسل الجيوش لدعوة الناس إلى التوحيد فمن رفض الإسلام وعاند الحق وأبى دفع الجزية قاتلوه ومن رغب في الإسلام وأعلن الدخول فيه فقهوه في الدين وعلموه شرائع الإسلام، يقول ابن اسحاق: (ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد في شهر ربيع الآخر أو جمادى الأولى سنة عشر إلى بني الحارث بن كعب بنجران وأمره أن يدعوهم إلى الإسلام قبل أن يقاتلهم ثلاثًا فإن استجابوا فاقبل منهم وإن لم يفعلوا فقاتلهم. فخرج خالد حتى قدم عليهم فبعث الركبان يضربون في كل وجه ويدعون إلى الإسلام ويقولون أيها الناس أسلموا تسلموا فأسلم الناس ودخلوا فيما دعوا إليه فأقام فيهم خالد يعلمهم الإسلام وكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وبذلك كان أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم إن هم أسلموا ولم يقاتلوا) [2] ويرسل صلى الله عليه وسلم فقهاء أصحابه إلى الأمصار لتعليم الناس دينهم كما أرسل معاذًا وأبا موسى إلى اليمن وقال لهم: (يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا وتطاوعا ولا تختلفا) [3] وأرسل العلاء بن الحضرمي إلى البحرين أميرًا ومرشدًا ومعلمًا [4] وأرسل صلى الله عليه وسلم عمرو بن حزم إلى بني الحارث بن كعب ليفقههم في الدين ويعلمهم السنة ومعالم الإسلام ويأخذ منهم صدقاتهم [5] ، وغير هؤلاء كثير منهم المهاجر بن أبي أمية بن المغيرة بعثه صلى الله عليه وسلم إلى صنعاء وزياد بن لبيد أخو بني بياضة الأنصاري بعثه صلى الله عليه وسلم إلى اليمن وبعث صلى الله عليه وسلم جملة من الرسل يحملون كتبه إلى ملوك وزعماء الأرض يدعونهم إلى الإسلام ويحذرونهم مغبة الشرك والاستكبار على الحق فبعث دحية بن خليفة الكلبي إلى قيصر ملك الروم وبعث عبد الله بن حذافة السهمي إلى كسرى ملك فارس وبعث عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي ملك الحبشة وبعث حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس ملك الإسكندرية وبعث عمرو بن العاص السهمي إلى جيفر وعياد ابني الجلندي الأزديين ملكي عمان، وبعث سليط بن عمرو أحد بني عامر بن لؤي إلى ثمامة بن أثال وهوذة بن علي الحنفيين ملكي اليمامة وبعث العلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوي العبدي ملك البحرين وبعث شجاع بن وهب الأسدي إلى الحارث بن أبي شمر الغساني ملك تخوم الشام [6] . ولم يكن صلى الله عليه وسلم يهاب التضحيات في سبيل إبلاغ هذا الدين وتعليمه للناس فإنه لما قدم عليه رهط من عضل والقارة وقالوا له إن فينا إسلامًا فابعث معنا نفرًا من أصحابك يفقهوننا في الدين ويقرئوننا القرآن ويعلموننا شرائع الإسلام بعث معهم جمعًا من أصحابه تحت إمرة مرثد بن أبي مرثد الغنوي فغدر بهم الكفار واستشهدوا جميعًا رضي الله عنهم وأرضاهم ولم يمنعه صلى الله عليه وسلم هذا الحادث الجلل من إرسال سبعين رجلًا من خيار

(1) الإسلام في مواجهة التحديات المعاصرة للمودودي ص57 - 58.

(2) سيرة ابن هشام 4/ 592.

(3) صحيح البخاري 4/ 26.

(4) انظر ابن هشام 4/ 576.

(5) انظر ابن هشام 4/ 594.

(6) انظر سيرة ابن هشام 4/ 600 - 607.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت