ابن مسعود وزيد بن أسلم وعلى كل حال فآيات السيف نزلت بعد نزول السورة التي فيها (لا إكراه) الآية، والمتأخر أولى من المتقدم والعلم عند الله ا. هـ) [1] .
قلت وليعلم أن إكراه الكفار أهل الكتاب والمجوس على قبول نظام الإسلام العام والخضوع للأحكام كقطع يد السارق ورجم الزاني ونحو ذلك لا يدخل تحت النهي عن الإكراه الوارد في الآية بإجماع المسلمين [2] .
وإذا خضع الكفار للجزية فلا يترك لهم دولة ذات جيوش وأنظمة تمارس على الأرض لأن هذا ينافي الصغار الذي أراده الله عز وجل بل إذا خضعوا للجزية حكمهم المسلمون بحكم الإسلام وأصبحت دارهم دار إسلام لا دار حرب وترك لهم حرية ممارسة شعائرهم التعبدية داخل معابدهم من غير أن يفتنوا أحدًا عن دينه، أما أنظمة البلاد فتسير على مقتضى الإسلام [3] يقول أبو الأعلى المودودي: (إن من الظاهر إنه لا بد من قوة رادعة لإقامة نظام الحياة الاجتماعية.
وهذه القوة الرادعة هي التي تعرف بالدولة، ومن الظاهر كذلك أن هذه القوة التي تحافظ على نظام الحياة الاجتماعية بما أحرزت من الغلبة والسيادة تتخذ لنفسها خطة للعمل وفق نظريتها ومذهبها الاجتماعي فيكون لنوعية هذه السيادة ولأبعاد هذه الخطة -على ما هي عليه من الأساس والتفصيل- ضلع كبير في صلاح الحياة الاجتماعية وفسادها بل لا بد حتى للحياة الفردية أن تنصاغ إلى حد عظيم في القالب الذي تضعه الدولة شاءت أو لم تشأ فيصح القول على هذا بأن الذين يعيشون في حدود دولة لا بد لهم أن يتنازلوا عن تسعين في المائة من ركائز عقيدتهم ومذهبهم ويسيروا فيها على عقيدة الدولة ومذهبها ولو كانوا لا يؤمنون بنظريتها الأساسية وخطتها التفصيلية للعمل بل لا يزال استعلاء عقيدتهم ومذهبهم على العشرة في المائة الباقية من الركائز تتململ مع مرور الأيام وتطور الحياة الاجتماعية. إنه لا بد من (إكراه) في الحياة المدنية؛ إما من جانب الكفار أو من جانبنا نحن معشر المسلمين وبدل أن يقدم عليه الكفار ويتولوا قيادة الحياة المدنية ويجرونا إلى جهنم على طواعية منا أو على كراهية يجمل بنا أن نقدم عليه نحن ثم نجر الكفار إلى المكان الذي يقرب من طريق الجنة حتى يسهل عليهم انتهاجه إن شاءوا فرضوا هذا من جهة ومن جهة أخرى فإن الله هو مالك هذه الأرض فلا حق للعيش في أرضه والتمتع بنعمه والتصرف في ملكه إلا لمن كان مطيعًا لأحكامه متبعًا لقانونه الطبيعي والشرعي، وأما من لا يفعل هذا فهو ظالم غاضب خارج على سلطانه وما عصيانه هذا خلافًا للحق فحسب بل هو مصدر للفساد في نظام الأرض ومدعاة لفتنة أهلها فالحق أن ليس للمنحرفين عن الله وعن اتباع قانونه الطبيعي والشرعي حق للعيش في أرض الله ولكن من كمال رحمة الله وحلمه أن يمهل لهم أن يعيشوا في أرضه لا هذا فحسب بل يخيرهم في البقاء على كفرهم وشركهم وإلحادهم ودهريتهم إلى حد لا يتولد عنده فتنة لعباده الآخرين [4] غير أنه لا يقبل أبدًا أن يعرضوا عن قانونه الشرعي ويسيروا
(1) دفع إيهام الاضطراب للشنقيطي ص44 - 46.
(2) نقل الإجماع الطبري في كتاب اختلاف الفقهاء ص14، 199.
(3) انظر كتاب أحكام الذمة لابن القيم فهو شامل في هذا الباب.
(4) يظهر من كلام المودودي أنه يرى أخذ الجزية من كل كافر حتى من الملحد وهذا يخالف ما عليه جمهور العلماء.