فشرع الله الجهاد ليكون الدين كله له كما قال تعالى: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ انتَهَوا فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ) ، وإذا كان قتالك من ظلمك واعتدى عليك حتى يكف عن ظلمه واعتدائه لا يكون ظلمًا ولا قبيحًا فكيف يكون قتال الكافر بالله المكذب لرسوله وكتابه الآتي بأعظم الظلم وأكبر الذنب يقال فيه إنه بغير عدل؟ ما هذا إلا جهل عظيم كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون.
قوله فهو لا يصدقها بل يظهر فقط أنه يصدقها هربًا من الشدائد.
جوابه: إن هذا وإن وجد في آحاد الناس فليس على العموم فلا تنتقض به الحكمة في مشروعية الجهاد فإنه قد دخل في الإسلام فئات من الناس بالقتال وافتتحت ديارهم بالسيف فدخلوا وكثير منهم كارهون فلما خالطوا المسلمين وسمعوا القرآن وبلغتهم معجزات النبوة وآيات الرسالة صلحت عقائدهم وانفتحت بصائرهم وعلموا أنه الحق ودانوا به باطنًا وظاهرًا وعلموا أبناءهم ونساءهم وبذلوا فيه نفوسهم وأموالهم هذا ما لا يرتاب فيه ذو عقل صحيح وهل يستجيز من له أدنى مسكة من عقل أن يقول إن من دخل في الإسلام بعد قيام الجهاد من العرب وغيرهم من أصناف الأمم أنهم إنما يصدقون بالإسلام ظاهرًا فقط هذا مما يعلم فساده ببديهة العقل فإن الله قد خص هذه الأمة بما وهبها من الإيمان بالله ورسوله وتمام الانقياد لما جاء به الرسول منشرحة بذلك صدورهم مصدقة به قلوبهم ما لم يعط غيرهم من الأمم وذلك لما أيد به نبيهم صلى الله عليه وسلم من المعجزات وأنواع الأدلة والآيات ولهذا كان أكثر الأنبياء تابعًا يوم القيامة وكانت أمته خير الأمم وأكثر أهل الجنة وأول الناس سبقًا إلى الجنة كما قال صلى الله عليه وسلم: نحن الآخرون السابقون يوم القيامة. ولا ينتقض ما ذكرناه بالمنافقين والزنادقة فإنهم مقهورون مغمورون في المؤمنين بل في وجودهم بين المؤمنين مع كونهم أعداء لهم في صورة أولياء واجتهادهم في الإضرار بدينهم ودنياهم وسعيهم في ذلك بكل ما أمكنهم ثم لم يظفروا بمطلوبهم ولم يحصلوا على مرادهم دليل على صحة الشريعة وأنها من عند الله عز وجل. والمقصود أن الله نصب الأدلة والبراهين على صدق رسوله وصحة ما جاء به من النبوة والكتاب وشرع الجهاد وسيلة إلى إبلاغ الحجة وإيصال الدليل إلى المكلفين فإن من كان على دين وجد عليه آباءه وأسلافه وأشربه قلبه وألفته نفسه لا يختار دينًا غيره ولا يلتفت إلى سواه فلا يصغي إلى حجج الحق وبراهينه فكان من رحمة الله بعباده أن أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بالجهاد لتبلغ الحجة مبلغها فينذر من كان حيًا ويحق القول على الكافرين.
وأما قول النصراني: ومن يلتزم غيره بالتسليم له بوساطة التعذيب له أو التخويف إلى آخره، فهو كلام ساقط فإن الأنبياء عليهم السلام جاءوا بالرسالة إلى الأمم مقرونة بالتخويف بالعذاب للمكذبين والإنذار للمخالفين كما جاءت بالبشارة للمؤمنين والرجاء للمصدقين، ومنهم من جاء بالقتال، وبنو إسرائيل لما امتنعوا من التزام أحكام التوراة لثقلها عليهم رفع الله جبلًا فوق رؤوسهم وقيل لهم التزموا وإلا وقع عليكم الجبل كما قال تعالى: (وَإِذ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) وقال تعالى: (وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ) وأيضًا فالشرائع جاءت بالحدود وإيقاع العقوبة بالعصاة ليرتدعوا عن المعاصي والمخالفات وكل هذا إلزام بالأحكام بوساطة