الصفحة 159 من 317

التعذيب والتخويف أفكان ذلك دليلًا على عدم البرهان فيما دعا إليه الأنبياء عليهم السلام وإذا لم يكن كذلك بطل هذا التمويه [1] أ. هـ.

وقد زعم تلاميذ المستشرقين بأن المسلمين لم يحملوا السيف لأجل نشر الإسلام وإخضاع أمم الكفر للإسلام وإنما حملوه لدفع الكفار عن بلادهم وأنفسهم واحتجوا بقوله تعالى: (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) [2] ، والحقيقة أنه لا حجة لهم في هذه الآية الكريمة فكتاب الله لا يناقض بعضه بعضًا وإنما يصدق بعضه بعضًا وهذه الآية الكريمة لها سبب نزول رواه أبو داود وغيره بسند صحيح فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال نزل قوله تعالى: (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) في الأنصار كانت تكون المرأة مقلاة فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوده فلما أجليت بنو النضير كان فيهم كثير من أبناء الأنصار فقالوا لا ندع أبناءنا فأنزل الله تعالى لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي [3] . وبهذا يتبين أن الآية نزلت في إكراه أهل الكتاب على الدين ولا تشمل كل كافر لأن المرتد يكره على الرجوع إلى الدين بإجماع المسلمين ولم يدخل تحت عموم هذه الآية فدل على أن عمومها شامل لأهل الكتاب ومن أمرنا رسول الله أن نسن بهم سنتهم وهم المجوس. وبعض العلماء يجعل الآية عامة في كل كافر ما عدا المرتد ومن رفض قبول الجزية وبعضهم يجعلها منسوخة ويقول نزلت قبل الإذن بالقتال ورجح ابن جرير الطبري رحمه الله بأنها مخصوصة لا منسوخة أي خاصة بأهل الكتاب والمجوس، أما المرتدون والمشركون فقد دلت الأدلة الشرعية على إكراههم على الدين [4] . ويرى بعض العلماء بأن الآية الكريمة خبر وليس فيها نهي وعلى هذا القول يكون معنى الآية أن المكره لا يستفيد من إيمانه يوم القيامة لأنه لم يصدق بقلبه وإن استفاد منه في الدنيا بحقن دمه وهذا القول مروي عن ابن الأنباري [5] وبهذا يمكن تلخيص الأقوال في هذه الآية فيما يلي:

1 -أن الآية منسوخة بآية السيف.

2 -أن الآية خبر لا نهي فلا حكم فيها.

3 -أن الآية شاملة لعموم الكفار ما عدا المرتد ومن رفض الخضوع للجزية.

4 -أن الآية خاصة بأهل الكتاب والمجوس وأنهم لا يكرهون على اعتناق الإسلام إذا خضعوا لأحكامه العامة ودفعوا الجزية حالة كونهم في ذل وصغار. وهذا القول هو أرجح الأقوال عندي لأن فيه جمعًا بين أدلة الإكراه وأدلة النهي عن الإكراه فيحمل كل دليل على جهة مختلفة عن الأخرى، وإعمال الأدلة أولى من إلغاء شيء منها، ويرجحه سبب نزول الآية وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه مع الكفار؛

(1) المصدر السابق من ص284 - 287.

(2) البقرة، الآية: 250.

(3) جامع الأصول لابن الأثير 2/ 53 بتحقيق عبد القادر الأرناؤوط وقال المحقق وأخرجه الطبري 3/ 58 وإسناده صحيح وصححه ابن حبان رقم (1725) .

(4) انظر تفسير الطبري 3/ 12.

(5) زاد المسير لابن الجوزي 1/ 305.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت