الحيوان للأكل بأن هذا تعذيب للحيوان لا يأذن الله فيه. وإذا كانت شرائع الأنبياء جاءت بذبح بعض الحيوانات للأكل وقتل بعضها دفعًا للأذى مع أنه لا تكليف عليها ولا ذنب لها فكيف يكون الأمر في قتال أعداء الله الكافرين به المكذبين رسله العابدين معه آلهة أخرى؟ لا جرم أن قتالهم وغزوهم وجهادهم حتى يؤمنوا بالله ويتابعوا رسوله لفي غاية الصلاح ونهاية السداد وتمام الحكمة. وبالجملة؛ ففضائل الجهاد في سبيل الله أكثر من أن يأتي عليها الوصف وما كان هذا شأنه فلا شك أن المتصف به قد حاز فضلًا عظيمًا واقتنى خيرًا كثيرًا وأن مشروعيته في هذه الملة من محاسنها ومحاسن من جاء بها وفضائل أتباعه الذين هم خير أمة أخرجت للناس [1] .
وقال رحمه الله: (فصل: قال النصراني: لا سيما حيث إن أكثر حروب الملوك بغير عدل إذ يقاتلون أممًا من غير الظالمين لهم وليس لهم ما يتعللون به على محاربتهم سوى الاختلاف في الدين وهذا ما هو إلا غاية عدم الدين إذ لا تكون عبادة الله إلا ما يصدر عن إرادة النفس وأما الإرادة فهي تنقاد بالتعليم والإقناع لا بالتهديد والقهر، ومن اضطر لتصديق الدعوى من غير إرادة منه فهو لا يصدقها بل يظهر فقط أنه يصدقها هربًا من الشدائد ومن يلزم غيره التسليم له بوساطة التعذيب له فهو بفعله هذا يدل على عدم ما يستدل به على صحة دعواه.
الجواب وبالله التوفيق: أما حروب ملوك المسلمين بعضهم لبعض في طلب الملك فليس مما نحن فيه إذ هو من قتال الفتنة الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم وحذر منه وهو قتال على الدنيا، وأما القتال الشرعي فهو القتال في سبيل الله لإعلاء كلمة الله وإعزاز دينه ولا ريب عند الموافق والمخالف أن محمدًا صلى الله عليه وسلم جاء بشرع الجهاد وتضمن الأمر به القرآن الذي أنزل عليه وإنما شرع في المدينة بعد الهجرة إلى المدينة حين اجتمع بها المهاجرون والأنصار وعند ذلك علم أعداؤه من العرب واليهود أنها كانت لهم دار منعة فخافوا منهم ما كانوا يحذرون فرموهم عن قوس واحدة وشمروا لهم عن ساق العداوة والمحاربة وصاحوا بهم من كل جانب وكان الله يأمرهم بالصبر والعفو والصفح ثم إنه تعالى بحكمته أذن لهم في القتال ولم يفرضه عليهم فقال تعالى: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ، الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ) ثم فرض عليهم القتال لمن قاتلهم دون من لم يقاتلهم فقال تعالى: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ) ثم فرض عليهم قتال المشركين كافة فقال تعالى: (وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) فكان محرمًا ثم مأذونًا فيه ثم مأمورًا به لمن بدأهم بالقتال ثم مأمورًا به لجميع المشركين وإذا كان القتال عن أمر الله وشرعه كان القيام به من أكبر الفضائل وأعظم الوسائل لما فيه من بذل النفوس والأموال في مرضاة الله وما كان عن أمر الله فهو على وفق الحكمة والعدل لأنه صدر عن أمر الحكيم الخبير وقد قامت البراهين واتضحت الدلائل وظهرت المعجزات على أن محمدًا رسول الله فبطل أن يكون قتال المسلمين لمن خالف الملة قتالًا بغير عدل وقد ذكرنا فيما تقدم إشارة إلى بعض ما في شرع الجهاد من الحكم والغايات المحمودة.
وأما قتال المسلمين أممًا من غير الظالمين لهم وأن السبب إنما هو الاختلاف في الدين. فهذا أوضح حجة على أنه مقتضى العدل لأنهم إنما يقاتلون المشركين بالله الكافرين به وبرسله كما كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بعث سرية قال اغزوا باسم الله قاتلوا من كفر بالله فأعظم الظلم وأكبر الذنوب الشرك بالله والكفر به
(1) منحة القريب المجيب في الرد على عباد الصليب من ص168 - 173.