الصفحة 156 من 317

دين الله وإبطال عبادة من سواه من الأنداد والأصنام وهذا من أعظم الفضائل وأكبر المناقب وأرفع الرتب وهو قتال الأنبياء وأتباعهم، ولنبينا صلى الله عليه وسلم وأتباعه من هذه الفضيلة أوفر حظ وأكمل نصيب.

الوجه الثالث: أن قتاله صلى الله عليه وسلم من أعلام نبوته وأدلة رسالته لأنه مطابق لما جاء من نعته في كتب الأنبياء عليهم السلام كما قدمنا نص الزبور في قوله: تقلد أيها الجبار بالسيف فإن شريعتك وسنتك مقرونة بهيبة يمينك وسهامك مسنونة، وفي النص الآخر في صفته صلى الله عليه وسلم وصفة أمته: بأيديهم سيوف ذات شفرتين إلى غير ذلك من الأدلة الدالة على أنه يبعث بالسيف والقتال. وتقدم في قصة ابن الهيبان"الحبر"في وصيته اليهود باتباعهم محمدًا صلى الله عليه وسلم قوله: لا تسبقن عليه يا معشر اليهود فإنه يبعث بسفك الدماء وبسبي الذراري والنساء ممن خالفه فلا يمنعكم ذلك منه.

الوجه الرابع: أن القتال ليس مختصًا بشريعته صلى الله عليه وسلم، قد قاتل كثير من الأنبياء عليهم السلام بإذن الله لهم في ذلك وأمره، وقد أمر الله بني إسرائيل بقتال الجبارين ودخول الأرض المقدسة مع موسى عليه السلام فلما عصوا أمر الله عاقبهم بالتيه أربعين سنة وبعد خروجهم منه توجهوا لقتال الجبارين مع يوشع بن نون عليه السلام ففتح الله عليهم ولم يزل الجهاد والقتال مشهورًا في بني إسرائيل ومعهم الأنبياء كما قال الله تعالى: (وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ) . وأما كون القتال غير مشروع لعيسى عليه السلام فذلك لا يدل على أن تركه أفضل مطلقًا بل هذا من اختلاف الشرائع كما قال تعالى (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا) [1] .

الوجه الخامس: أن في الجهاد من المصالح العظيمة والحكم الباهرة فيما يتعلق بأمر الدنيا والآخرة ما لا يحصى؛ فمنها ما يترتب عليه من إعلاء كلمة الله وإقامة دينه وعزة أنصاره وإنفاذ أحكامه وقد حصل به من ذلك على يد محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأتباعه ما شتت شمل الكفر وفرق كلمة الإشراك ورغم أنف الشيطان اللعين، ومنها إنقاذ الهالكين في الكفر والضلالة وعبادة الأصنام والأنداد وإخراجهم من ظل الكفر إلى نور الإيمان ومن طريق النار إلى سبيل الجنان ومن رق الشيطان إلى عبادة الرحمن وقد أنقذ بهذه الأمة وجهادها من شاء الله من الأمم الهالكين؛ وفي هذا المعنى ما رواه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه في قول الله تعالى: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) قال: خير الناس للناس تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام، ومنها ابتلاء الله تعالى عباده واختبارهم بتكليفهم القتال وبذلهم في طاعته النفوس والأموال كما قال تعالى: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ) وقال تعالى: (وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ) وقال تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَاسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) ، ومنها ما يترتب على ذلك من عظم المثوبات ورفعة الدرجات بما بذلوا من مهجهم وأموالهم في طاعة الله ونصرة دينه؛ فالمجاهدون أرفع الناس درجة في الدنيا والآخرة.

الوجه السادس: أنه إذا كان قتاله صلى الله عليه وسلم عن أمر الله لثبوت رسالته فالاعتراض عليه في شيء من أمره اعتراض على الله لأنه الذي شرع وأمر وهذا نظير اعتراض من يعترض من المكذبين للرسل على ذبح

(1) قلت القول بأن شريعة عيسى ليس فيها جهاد يحتاج إلى دليل شرعي من كتاب أو سنة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت