الفاطميين وأن يبيد العلماء والمفتين والله غالب على أمره) [1] . وبهذا يظهر أثر الجهاد في نشر الإسلام وأثر تركه على المسلمين. فكيف يأتي بعد هذا من يتسمى باسم المسلمين ثم يحاول صرف المسلمين عن أكبر عون لهم على نصر الإسلام وتثبيته وتبليغه، ويقول إن الإسلام ينتشر بالدعوة السلمية وحدها ولا تأثير للجهاد في نشره! إن هذا القول المدخول لم يعرف عن أحد من المسلمين إبان عزهم وصلاح أمرهم إنما أتى لما حكم الكفار بلاد المسلمين واتخذوا لهم صنائع من أبناء المسلمن وأظهروهم للناس في صورة العلماء تارة وفي صورة الزعماء تارة وهم عملاء مأجورون أو سفهاء مخدوعون أو محبون للدرهم والدينار وبريق الشهرة متملقون، وهذا القول غريب على الحس الإسلامي، يقول الشيخ عبد الله بن علي بن يابس -في نقده لكتاب محمود شتلوت العقيدة والشريعة- إن هذا الشيخ لا يرى نشر الإسلام بالسيف وإنما يقصر نشره على اللسان وهذا رأي أدخله الملاحدة على المسلمين ليحولوا بين الإسلام وبين الانتشار وليبثطوا عزائم المسلمين وهو مخالف لكتاب الله ولعمل الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه) [2] .
ولكن مما ينبغي التفطن له أن المستشرقين الكفار إذا قالوا إن الإسلام انتشر بالسيف قد يقصدون أن براهينه ودلائله غير واضحة وإنما هو دين ملك أقامه بالسيف لا دين رسول منزل من عند الله لهداية البشرية. وهذه الشنشنة ليست وليدة هذا العصر بل حكاها ابن تيمية عن أهل الكتاب في كتابه القيم الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح [3] وذكرها تلميذه ابن القيم في مقدمة كتابة هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى فقال: (ومن بعض حقوق الله على عبده رد الطاعنين على كتابه ورسوله ودينه ومجاهدتهم بالحجة والبيان والسيف والسنان والقلب والجنان وليس وراء ذلك حبة خردل من الإيمان. وكان انتهى إلينا مسائل أوردها بعض الكفار الملحدين على بعض المسلمين فلم يصادف عنده ما يشفيه ولا وقع دواؤه على الداء الذي فيه وظن المسلم أنه بضربه يداويه فسطا به ضربًا وقال هذا هو الجواب فقال الكافر صدق أصحابنا في قولهم: إن دين الإسلام إنما قام بالسيف لا بالكتاب. افترقا وهذا ضارب وهذا مضروب وضاعت الحجة بين الطالب والمطلوب فشمر المجيب ساعد العزم ونهض على ساق الجد وقام لله قيام مستعين به مفوض إليه متكل عليه في موافقة مرضاته ولم يقل مقالة العجزة الجهال: إن الكفار إنما يعاملون بالجلاد دون الجدال وهذا فرار من الزحف وإخلاد إلى العجز والضعف وقد أمر الله بمجادلة الكفار بعد دعوتهم إقامة للحجة وإزاحة للعذر(لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ) والسيف إنما جاء منفذًا للحجة مقومًا للمعاند وحدًا للجاحد؛ قال تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَاسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) فدين الإسلام قام بالكتاب الهادي ونفذه السيف الماضي. شعر:
فما هو إلا الوحي أوحد مرهف ... يقيم ضباه أخدعي كل مائل ...
فهذا شفاء الداء من كل عاقل ... وهذا دواء الداء من كل جاهل [4]
(1) البداية والنهاية لابن كثير 12/ 201.
(2) إعلام الأنام بمخالفة شيخ الأزهر شلتوت للإسلام ص 196.
(3) انظر الجواب الصحيح 1/ 72.
(4) هداية الحيارى لابن القيم ص10.